يقترب العرب من حافة موجة ديمقراطية، مماثلة لتلك التي اجتاحت أوروبا الشرقية قبل 20 عاماً. ربما تتسم رحلة العرب الديمقراطية بأنها وعرة، ولكن ليست هناك عودة إلى الوراء بعد الوصول إلى المرحلة الحالية.
في الوقت الذي هزّت احتجاجات حاشدة دولاً متفرقة على امتداد الشرق الأوسط، يبدو أن القدرة المطلقة التي تمتعت بها الأجهزة الرسمية تتداعى. ورغم كل الصعاب، خرج مئات الألوف من الشباب العرب، رجال ونساء، إلى الشوارع، مطالبين بالتغيير والحرية، مخاطرين في غمار ذلك كله، بأرواحهم.
لقد قدمت تونس الشرارة التي أشعلت الحرائق السياسية في أنحاء شتى من العالم العربي. وإذا كان التونسيون قد أطاحوا بزين العابدين بن علي، فإن الكثير من العرب قد تجرأوا على التفكير في ما لا يمكن تصوره. إذا كانت مصر، وهي البلد الأكثر سكانا في العالم العربي ومركز الإنتاج الثقافي، والتحولات نحو التعددية، فسيكون هناك أثر مضاعف في جميع أنحاء المنطقة.
بغض النظر عما إذا كانت الأنظمة في الدول المعنية في المنطقة ستصمد أم لا في وجه العاصفة الهوجاء الراهنة، فإن نظامها لم يعد قابلاً للاستدامة. ويشعر المواطنون في العالم العربي بالتمكين، وأنهم يستقبلون فجراً ديمقراطياً جديداً. وقد تخلصوا من اللامبالاة السياسية، وانضموا إلى المجال السياسي، وخرج المارد من القمقم.
في المقابل، يشعر بعض المسؤولين في المنطقة بالقلق من أن وضعهم في الصدارة الذي استمر طويلاً، قد أوشك على الزوال. بعد سنوات طويلة قضوها في مواقع نافذة، ورغم الجهود الأخيرة لاستدامة وضعهم هذا مدى الحياة، خرج بعضهم يعلنون أنهم لن يسعوا إلى الترشح أو تسليم السلطة لأبنائهم من بعدهم.. ولكن هذه التنازلات فشلت في إنهاء الاحتجاجات التي جرت مؤخراً، والتي أطلق عليها اسم «يوم الغضب»، على غرار النماذج المصرية والتونسية. وفي غضون ذلك، أقال أحد القادة في المنطقة رئيس الوزراء وحكومته، بعد أسابيع من المظاهرات المناهضة للحكومة، ووجّه رئيس الوزراء الجديد بإجراء إصلاحات سياسية سريعة. وقد أشار إلى استعداده لإشراك القوى الاجتماعية والسياسية الرئيسية والاستماع إلى مطالبها.
لم يعد المحتجون الشجعان راضين عن الإصلاحات الثانوية التي يتم طرحها على شعوبهم، فهم يطالبون بتغيير سياسي جوهري، وإعادة تشكيل المجتمعات العربية المنغلقة، بالتوازي مع أسس تعددية. الأمر بالنسبة للعرب، من الناحية النفسية والرمزية، أن هذه هي لحظة لهدم سور برلين. فهم على حافة موجة ديمقراطية، مماثلة لتلك التي اجتاحت أوروبا الشرقية قبل أكثر من 20 عاماً، وعجلت بانهيار الاتحاد السوفيتي. وفي هذا السياق، فقد وضعت الانتفاضة العربية حداً للادعاءات بأن الإسلام والمسلمين يعارضون الديمقراطية، وهي الادعاءات التي روج لها بعض الدوائر في الغرب.
مثل نظرائهم في أوروبا الشرقية، فإن رحلة العرب إلى الديمقراطية سوف تكون صعبة وإشكالية وطويلة الأمد. ليس هناك ضمان لتحول ديمقراطي ناجح، وستكون هناك نكسات بلا شك. ويشير المراقبون في هذا الصدد إلى الدور بالغ الأهمية الذي تضطلع به المؤسسات العسكرية في كل الدول العربية على وجه التقريب، ويرون أن القرار في يد هذه المؤسسات.
والتحدي الأكثر صعوبة هو إضفاء الطابع المؤسسي على العلاقة بين الجيش والقيادة المدنية، ووضع نهاية لسيطرة الشرائح الأقدم من العسكريين. وشأن التحول في شرق أوروبا، فإن انتقال العرب من أوضاعهم التي سادت طويلاً، إلى مجتمعات مفتوحة وتعددية، سيستغرق أكثر من عقدين من الزمن.