فشل الغرب في رؤية الموقف في الشرق الأوسط كما يراه المواطنون، وغابت عنه المؤشرات على أن الناس في أماكن متفرقة من منطقة الشرق الأوسط، بلغوا حداً فاصلاً. لماذا يفشل الدبلوماسيون وصنّاع القرار والمحللون والأكاديميون، في رؤية وفهم الاضطرابات الشعبية المتزايدة في الدول المعنية؟ يبدو أن الأسباب التي كنا نظن بموجبها استحالة وقوع ثورة، كانت غير صحيحة، وتم تضليل رصدنا لعوامل التغيير، وبات فهمنا لكيفية حدوث تعبئة جماعية ضيقاً للغاية. إننا بحاجة لأساليب جديدة لاستيعاب ما يجري على أرض الواقع، من خلال عيون الناس في هذه البلدان. في الوقت الذي ركّز صناع القرار والمحللون على دور الشرطة في التعامل مع المؤسسات والكيانات الرسمية، من وسائل إعلام وأحزاب سياسية، فإن مدى ونطاق مراقبة أمن الدولة للمواطنين العاديين، جرى تجاهله كلية على وجه التقريب. فقد أوجدت الأجهزة المعنية مستويات لا يمكن تحملها من الخوف والذعر وعدم الثقة التي سيطرت على المواطنين في هذه البلدان. ومن خلال التركيز على الجهات المؤسسية الرسمية الفاعلة، فقد فشلنا في «رؤية الأمور مثل المواطنين»، وغابت عنا التجارب التي واجهها المواطنون يوما بعد آخر.
لقد حاول المواطنون التكيف مع العيش مع الأجهزة الرسمية، ولكن مع الحرمان الاقتصادي المتزايد، والاستفزازات التي أثارها تزوير أوراق الانتخابات، وعدم وجود خيارات أخرى، فإن نقطة انهيارهم بدا بوضوح أنها آخذة في الاقتراب.
تشير التقديرات الاقتصادية الرسمية، التي قاسها المجتمع الدولي بمعايير النمو الاقتصادي، إلى أن الدول المعنية تجابه الأزمات الاقتصادية، ولكن على أرض الواقع كانت القصة مختلفة جداً. في اليمن، كما في عدد غيرها من دول المنطقة، وضمن البحوث التي أجراها معهد دراسات التنمية عن تأثير الأزمات الاقتصادية على الفقراء، كشفت مقابلات أجريت مع أسر في العاصمة صنعاء، في إبريل من العام الماضي، عن المدى الذي وصلت إليه الحرب في الشمال، والتضخم وتضاؤل الفرص الاقتصادية في التأثير سلباً على قدرتهم على الصمود. وكان الفقراء مدركين تماما لماذا كان يحدث هذا، وهو غض الحكومة الطرف عن معاناة الشعب. يُبرز الفهم الحالي للعملية الديمقراطية، ثلاث مجموعات يعتقد أنها ذات تأثير في تحدي الأنظمة الاستبدادية، وهي الأحزاب السياسية، والحركة الإسلامية، وجمعيات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني الأخرى. وباختصار، انصب التركيز على الجهات المؤسسية الفاعلة ذات المستوى العالي، التي تعمل في المجال الرسمي العام.
لم تحفز أحزاب المعارضة أو تنظم أو تقُد حركات المواطنين الذين خرجوا إلى الشوارع في دول في المنطقة. فقد كانوا في عداد الغائبين تقريباً عن مسرح الأحداث في بداية الأمر. أما بالنسبة لجماعات حقوق الإنسان، فقد كان دورها في حشد المواطنين أو تعبئتهم ضئيلاً، وغير موجود تقريبا. أثبتت منظمات حقوق الإنسان، مثل بعض الناشطين في الأحزاب السياسية، أن لها دورا أساسيا في فضح انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الأنظمة القائمة. ولكن التمويل الأجنبي لتعزيز الديمقراطية، أدى إلى أن تصبح هذه المنظمات على نحو متزايد مهنية في طبيعتها، وفي بعض الحالات إلى تجريدها من الطابع السياسي كذلك. واتجه صانعو القرار وعلماء في الغرب إلى منظمات التنمية وحقوق الإنسان، للانخراط في حياة سياسية مثيرة للجدل، ولكن من خلال عملية غاب عنها النشاط العضوي.
وإجمالاً، فإن المنظور التحليلي الغربي لم يمكننا من رؤية الأحداث كمواطنين، وإدراك أن الناس قد تغلبوا على حواجز الخوف ووصلوا إلى نقطة اللاعودة. غير أن الوقت لم ينقضِ بعد، ولا يزال بمقدور الغرب فهم ما يجري في الشرق الأوسط، واتخاذ المواقف الصحيحة تجاهه، وفقاً للقيم التي يعنّ تمسكه بها.