في إشارة إلى أهمية التزام الهند بعلاقاتها مع دول شرق وجنوب شرق آسيا، فقد استضافت نيودلهي الرئيس الإندونيسي «سوسيلو بامبانغ يوهيويونو»، خلال الاحتفالات بعيدها الوطني أخيراً. وقبل ‬60 عاماً كان الرئيس الإندونيسي الأسبق سوكارنو، ضيفاً رئيسياً في احتفالات الهند بعيدها الوطني في عام ‬1950.

تهدف الزيارة الأخيرة إلى إعطاء دفعة لسياسة «الاتجاه شرقاً» التي تتبعها الهند، والتأكيد على الحاجة إلى تكامل أكبر ومشاركة أكثر عمقاً بين الهند ودول شرق آسيا، في التجارة وغيرها من القطاعات الاستراتيجية الأخرى. وقد أوضح رئيس الوزراء الهندي «مانموهان سينغ»، الذي توجه إلى اليابان وماليزيا في زيارات ثنائية، وإلى فيتنام لحضور القمة الثامنة لدول «آسيان» في نوفمبر الماضي، أن الأولوية في السياسة الخارجية لحكومته سوف تتركز على دول شرق وجنوب شرق آسيا، وهي التي بصدد تحقيق نمو مستدام خلال القرن الحادي والعشرين.

إن هذا هو وقت الاختمار الكبير في المشهد الاستراتيجي الآسيوي، وتحاول الهند أن تجعل من نفسها أكثر أهمية بالنسبة لدول المنطقة. فالمواجهة الدبلوماسية التي جرت أواخر العام الماضي، بين اليابان والصين حول الصيد في منطقة نزاع بينهما، أبرزت الموقف الأكثر عدائية الذي تعتمده الصين ضد منافسيها وحلفاء الولايات المتحدة في آسيا، وقد يكون هناك مزيد من التوتر في المستقبل.

ومع صعودها السياسي والاقتصادي، بدأت بكين تفرض حدود السلوك المقبول على جيرانها، وبالتالي الكشف عن تكاليف سياسات القوة العظمى. وقد بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالفعل إعادة تقييم استراتيجياتهم الإقليمية، وبدأ تحالف موازنة مناهضة الصين يطفو إلى السطح.

بذلت كل من طوكيو ونيودلهي جهداً في السنوات الأخيرة لوضع العلاقات الهندية اليابانية في وضعية نشطة، وكان صعود الصين في آسيا والمحيط الهادئ وخارجها، من شأنه تغيير الحسابات الاستراتيجية في الهند واليابان، وإجبارهما على إعادة التفكير في مواقف كل منهما تجاه الأخرى. اقتصاد الهند المزدهر يجعلها شريكاً تجارياً واستراتيجياً جذاباً بالنسبة لليابان، في الوقت الذي تحاول الأخيرة إخراج نفسها من سنوات طويلة من الركود الاقتصادي. وتجري اليابان أيضاً إعادة تقييم لدورها كمزود للأمن في المنطقة وخارجها، ومن بين جميع جيرانها، يبدو أن الهند أكثر استعداداً للاعتراف بمركزية اليابان في تشكيل الهيكل المتطور لأمن آسيا والمحيط الهادئ. علاوة على ذلك، فإن هناك جيلاً جديداً من القادة السياسيين في الهند واليابان، ينظرون إلى بعضهم بعضا بشكل مختلف، ويخلعون عباءة سياسات الماضي، وبالتالي يغيرون مسار العلاقات بين البلدين.

لقد قطعت علاقات الهند مع اليابان شوطاً طويلاً منذ مايو ‬1998، عندما أطلت حالة من الفتور مع اليابان بعد تجارب الهند النووية، من خلال فرض عقوبات وتعليق مساعداتها التنموية. ومنذ ذلك الحين، فقد أدى الوسط الاستراتيجي المتغير في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إلى تقارب كبير جداً بين البلدين، لدرجة أن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي إلى اليابان، أسفرت عن تكشف خارطة طريق لتحويل العلاقة الرئيسية بينهما إلى شراكة استراتيجية رئيسية. إن صعود الصين يشكل عاملاً رئيسياً في تطور العلاقات الهندية اليابانية، كمحاولة الولايات المتحدة لتأسيس دور الهند كعامل توازن رئيسية في المنطقة. فكل من الهند واليابان على دراية بمحاولات الصين غير الخفية للحيلولة دون صعودهما. وسوف يكون اتفاق التعاون النووي السلمي بين الهند واليابان، حاسماً في الإشارة إلى أنهما يرغبان في بناء شراكة لتحقيق الاستقرار في المنطقة، في وقت تسعى الصين إلى بذل ما بوسعها لمكافأة باكستان بالمفاعلات النووية السلمية، وتعريض نظام حظر الانتشار النووي برمته للخطر.