الصرخات من أجل «الخبز والحرية»، التي تتردد على امتداد العالم العربي خلال الأسابيع الماضية، لا يمكن اعتبارها مجرد خطابة. فقد ظلّ سعر الخبز على الدوام محفزاً قوياً على الانتفاضة، تماماً مثل الحرمان من الحرية. وجاء أحدث تذكير بذلك من دول عدة في الشرق الأوسط، حيث ساعدت التوليفة القاتلة، من البطالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل حاد، على انطلاق الاحتجاجات الحالية. وخلال اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال الأيام الماضية، تم الاستماع إلى قادة الرأسمالية العالمية وهم يناقشون مدى إمكانية انتشار هذه الاضطرابات.

سوف تقض الثورات المضاجع في العديد من الأرجاء، وسوف يتمثل تأثيرها واسع النطاق، رغم ذلك، على تركيز الاهتمام السياسي على النمو المتصاعد عالميا في أسعار الطاقة والمواد الغذائية. فالثورات تعني أن التحذيرات من أزمة غذاء جديدة، يتم اتخاذها في الاعتبار بشكل أكثر جدية. وتم طرح مسألة الأمن الغذائي مجدداً على جدول الأعمال بالطرق نفسها التي شوهدت عام ‬2008، عندما كانت التقديرات تشير إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يفجّر العنف في ‬30 دولة. ويعزى الفضل إلى الحكومات، في ذلك الوقت، في القيام بالتكليف بإجراء دراسة هامة بشأن الاستدامة الغذائية. لذلك فإن نشر هذا التقرير، الذي جاء بعنوان «مستقبل الغذاء والزراعة» وكتبه السير «جون بيدنغتون»، كبير مستشاري الحكومة البريطانية السابق للشؤون العلمية، جاء في الوقت المناسب.

إن العمل على إيجاد طريقة لإطعام سكان العالم، الذين قد يصل تعدادهم إلى تسعة مليارات نسمة (أو حتى أحد عشر ملياراً) في غضون الـ‬40 عاماً المقبلة، في الوقت الذي يعاني سدس السكان الحاليين بالفعل من الجوع، يعتبر مهمة ضخمة. لكن إيجاد طريقة للقيام بذلك لا تفاقم مشكلة تغير المناخ، ولا تسبب ضررا دائما على البيئة، يمكن القول إنه أكبر تحدٍ جماعي يواجهه العالم.

إن تقرير «بيدنغتون» يعد صورة واضحة لصعوبة ابتكار حل معقول ومنصف ومستدام، فهو يحدد بشكل صحيح الحاجة لاحتواء الطلب على الأغذية كثيفة الموارد (المعروفة أيضاً باسم اللحوم)، ومشكلة الإهدار التي يمكن تجنبها، والضعف في الإدارة السياسية والاقتصادية للصناعة الغذائية. ولا يمكن تخطئة التقرير من حيث رسم معالم المشكلة المعقدة، لكنه يفتقر إلى إجابة على الصعوبة الدائمة التي تشكلها سياسات القوة لصناعة المواد الغذائية المعولمة، في حين أن مسألتي الأمن الغذائي والأسواق الحرة، يمكن أن تكونا بمثابة عاملين مصاحبين، في غياب شبكات الأمان الاجتماعي التي توفرها مؤسسات قوية.

ولا يعتبر ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بالضرورة أمراً سيئاً، فالمحاصيل النقدية مثل الكاكاو والقطن، يمكن أن تحدث تحولا في ميزانيات بعض الدول الأفقر في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، لكن معظم بلدان القارة جنوب الصحراء الكبرى هي دول مستوردة للحبوب، وتعاني الآن من عواقب التقلبات الجديدة بسبب التكهنات في أسعار الحبوب في أسواق السلع الأساسية في العالم، وهذا يضخّم كل تغيير في السعر ويشوّه العلاقة بين الإنتاج والأسعار.

ولا يعتبر ذلك المجال الوحيد الذي تتصارع فيه احتياجات البلدان الفقيرة مع رغبات الدول الغنية، فالطلب على الوقود العضوي يقلل مساحة الأراضي المتاحة لزراعة المواد الغذائية، ويدفع إلى ارتفاع الأسعار. وكذلك مسألة الاستيلاء على الأراضي الاستراتيجية، التي تنفذها البلدان سريعة النمو، مثل الصين وكوريا الجنوبية، من خلال الاستثمار في الاستقرار السياسي عن طريق ضمان إمدادات الغذاء.