في الآونة الأخيرة، ساد اعتقاد راسخ بأن عملية السلام في الشرق الأوسط قد ماتت وانتهت وتم إبطالها. وقد تعزز هذا الاعتقاد من خلال نشر قناة الجزيرة ‬1600 وثيقة، يقال إنها تصف تفاصيل ما دار في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية عام ‬2008. كما تجاهل الرئيس الأميركي باراك أوباما، بالكامل، عملية السلام الفلسطينية في خطابه الأخير عن حالة الاتحاد.

والحجج التي تدعي أن عملية السلام ماتت، تأتي من كل مكان، فالبعض يجادلون بأن السلطة الفلسطينية، التي تحكم أجزاء من الضفة الغربية، غير فعالة أو غير مشروعة. ويقول آخرون إن عدم التكافؤ في القوة بين إسرائيل والفلسطينيين، هو ببساطة كبير جداً لدرجة يصعب معها التوصل إلى تسوية حقيقية. ويزعم البعض أن الصراع مدفوع بنوع من التحريض المعادي للإسرائيليين، أو بالعنصرية الإسرائيلية. والحجج الأخرى هي أكثر تحديداً، إذ يشعر بعض المحللين بأن المشكلة الحقيقية، تكمن في أن منظمة التحرير الفلسطينية سقطت في فخ سعي إدارة أوباما لتجميد الاستيطان، الذي حال دون إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. ولا تزال هناك حجة أخرى تشير إلى أن غزة، التي ليس لها مستقبل مستقل عن بقية فلسطين، خاضعة لحركة حماس، وتبرز عجز منظمة التحرير عن تقديم اتفاق حول الوضع النهائي للشعب الفلسطيني.

لقد أشار العديد من المراقبين إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يأتي على قمة الائتلاف الحاكم ويتسم بالمجادلة والتعنت، لم يقدم الكثير من الثقة في فرص التسوية ولو بشكل مؤقت، لا سيما في ظل مواصلة المستوطنين الإسرائيليين البناء في القدس الشرقية والضفة الغربية. هناك عناصر كبيرة من الحقيقة تنطوي عليها هذه الملاحظات، ولكن هناك اتجاهات أخرى تثلج الصدر، وقد تبددت دون أن يلاحظها أحد. وهناك بالفعل خطوات تستحق الثناء يمكن للجانبين الإسرائيلي والفلسطيني اتخاذها، بشكل منفصل وفي آن واحد، ويطلق عليها الأحادية المشتركة، من شأنها أن تساعد في إحياء عملية السلام. ونحن نميل إلى النسيان، وسط موجة من التعليقات حول التحريض والعداء الفلسطيني الإسرائيلي، بأننا شهدنا في الآونة الأخيرة تحولات مذهلة في مواقف الطرفين تجاه الحاجة للتوصل إلى تسوية. وتواصل حكومة السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء سلام فياض، جهودها من أجل المضي قدماً في برنامج بارز لبناء الدولة، يتسم بالابتكار في العمل ضد العنف والتحريض.

وفي إسرائيل، بات التحول مذهلاً، فقد أيد رئيس الوزراء وزعيم حزب الليكود نتانياهو، علناً، قيام دولة فلسطينية مستقلة، رغم أنه من كان في السابق وصياً على مبدأ التوسع الإقليمي، فيما يدرك غالبية أعضاء الكنيست الإسرائيلي بوضوح ضرورة وجود حل الدولتين. وبأسلوب يتسم بالهدوء، حث نتانياهو على قدر أكبر من تطبيع الحياة في الضفة الغربية. فخلال فترة ولايته، تباطأت وتيرة النمو في المستوطنات، خاصة عند مقارنة ذلك مع الحكومات السابقة التي كان يقودها حزب العمال الإسرائيلي، خلال سنوات عملية أوسلو للسلام. فقد سمح برفع العلم الفلسطيني في مقر إقامته الخاص خلال اجتماع رسمي مع عباس، ويستخدم الآن المصطلح الدبلوماسي «الضفة الغربية»، بدلا من المصطلح التوراتي «يهودا والسامرة».

ولكن التغيير على الجانب الفلسطيني كان الأبرز، فلا تزال غزة، بطبيعة الحال، تمثل مشكلة مستعصية على الحل، إلا أن الضفة الغربية تحولت في الآونة الأخيرة إلى مسرح للتطورات المذهلة التي لا يمكن إنكارها. فقد استعادت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، النظام في المدن التي سادت فيها الفوضى في السابق مثل جنين ونابلس. ودفع الهدوء إلى الاستثمار وتحسين مستوى معيشة مئات الألوف من الفلسطينيين.