لو اتضح أن السبب وراء تفجير المطار في موسكو أخيراً هم مسلحون من شمال القوقاز، فإن الكرملين سوف يكون بحاجة لبذل جهد اكبر من مجرد الحديث المتشدد، وتوجيه اللوم إلى أمن المطار.
يأتي رد المسؤولين في روسيا على التفجير المأساوي في مطار موسكو بالطريقة نفسها التي دأبوا عليها بعد كل هجوم إرهابي في الآونة الأخيرة، وهي إطلاق الحديث المتشدد، والوعود بتعقب الجناة، والإشارة إلى وجود ثغرات في الأمن، ومن قبل أمن المطار وفي هذا الحادث.
يمكن أن تشكّل هذه الردود إجابة جزئية للتحدي الإرهابي الذي تواجهه روسيا، لكنها لا يمكن أن تشكل الجواب الكامل. فلو اتضح أن الانفجار الضخم الذي حدث في صالة الوصول بمطار «دوموديدوفو» عمل تخريبي قام به مسلحون من منطقة شمال القوقاز في روسيا، وهو يحمل بصمتهم بالفعل، فإن هناك مزيدا من الأمور يتعين إنجازها للوصول إلى الأسباب الجذرية، فضلاً عن تحسين مستوى أمن المدنيين.
لقد اتخذ الكرملين خطوة في الاتجاه الصحيح في العام الماضي عندما قام بتعيين مبعوث خاص إلى منطقة شمال القوقاز، تلك المنطقة المضطربة الواقعة في الجناح الجنوبي لروسيا. وكان الهدف من إرسال المبعوث «ألكسندر كلوبونين»، هو كسب قلوب وعقول الفقراء هناك، من خلال مشاريع التنمية الاقتصادية.
فقد تسببت هذه البقعة الجبلية بمتاعب كبيرة للكرملين أكثر من أي وقت مضى، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي قبل 20 عاماً، عندما تم القضاء على الثوار الانفصاليين في الشيشان، بعد حربين أزهقت خلالهما عشرات الآلاف من الأرواح.
ولكن المعركة وطنية من أجل الاستقلال في الشيشان تحولت إلى دعوة من أجل القتال ضد روسيا في المناطق المجاورة مثل داغستان وإنغوشيا. فقد تطور هناك صراع مدني على مستوى محدود، مع نشوب مناوشات شبه يومية بين قوات الأمن والانفصاليين الذين يسعون لإقامة دولة مستقلة. ووفقا لتقرير رسمي روسي، فقد تضاعفت الهجمات المسلحة في شمال القوقاز أربعة أمثال خلال عام 2010، الأمر المشجع بشأن تعيين «كلوبونين» في العام الماضي هو أنه أضاف إلى الشق الثاني من استراتيجية الكرملين التي تعتمد بشكل حصري تقريبا على قوة البطش وتنصيب القادة السياسيين المخلصين، هو أنه يركز على الطاقة والتعليم والتصنيع والسياحة كوسيلة للتخلص من مشكلة البطالة، القضاء على إغراء النزعة الجهادية كمهنة.
ولكن كما شهد العالم في العراق وغيرها من الأماكن التي اجتاحتها حركات التمرد، فلن يأتي السياح، ولن يأتي الأجانب للاستثمار، ولن تنمو الشركات في بيئة الظلم والفساد وانعدام الأمن والقمع.
إن المفتاح لحل المشكلات السائدة في تلك المنطقة النائية من روسيا هو الوسيلة نفسها التي يمكن من خلالها إطلاق العنان لطاقات البلاد ككل، ويتمثل ذلك في إجراء الانتخابات النزيهة، وليس المزيفة، وإقامة المحاكم المحايدة، وليست المتحيزة، ورفع الرقابة عن وسائل الإعلام الحرة، ووجود شرطة مسؤولة، لا تضم المرتشين.
ما تواجهه روسيا على حدودها الجنوبية ليس سوى عملية بناء أمة، تعقدها النزعة العشائرية، والمظالم التاريخية الخطيرة من موسكو، والمصالح المتباينة بين اللاعبين المحليين. ومن الصعب أن نرى كيف يمكن للكرملين إخماد لهيب الإرهاب في شمال القوقاز، دون الرغبة بتطهير روسيا لنفسها.