رغم انهيار الاتحاد السوفييتي وتفتت الكتلة الاشتراكية منذ عشرين عاما مضت، إلا أن الكثير من سياسات الحرب الباردة السابقة بين القطبين مازالت سائدة، فمازال الغرب يتعامل مع روسيا بحذر وتخوف، ومازلت روسيا هي أيضا تجد صعوبات وعراقيل كثيرة في تعاملها مع الغرب، ورغم التقارب بين الجهتين في بعض المجالات الاقتصادية، وخاصة في مجال الطاقة، إلا أن هناك مجالات أخرى مازال التنافس بين الجهتين شديدا فيها، ومازال التعاون بينهما فيها أشبه بالمستحيل، وخاصة المسائل الأمنية والعسكرية، ولكن على ما يبدو أن هناك بوادر انفراج في هذا المجال، وجاءت البادرة كبيرة في تعاون عسكري من خلال حدث لم يسبق له مثيل في تاريخ روسيا المعاصر، يتلخص في التوصل إلى اتفاق نهائي بين روسيا وفرنسا، على أن تقوم فرنسا ببناء حاملات للحوامات من طراز «ميسترال» لحساب الأسطول البحري الحربي الروسي. حيث وقع وزير الدفاع الفرنسي آلان جوبيه ونائب رئيس الوزراء الروسي إيغور سيتشين، يوم الثلاثاء الماضي في حوض بناء السفن الواقع في مدينة «سان نازير» الفرنسية، اتفاقية للتعاون في بناء 4 حاملات مروحيات فرنسية من طراز «ميسترال»، وهذه هي الاتفاقية العسكرية الأولى من نوعها التي توقعها روسيا مع إحدى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «ناتو»، وبموجب هذه الاتفاقية سيتم بناء حاملتين للطائرات المروحية في أحواض مدينة «سان نازير»، وستنطلق الحاملتان من الميناء الفرنسي إلى الشواطئ الروسية عام ألفين وأربعة عشر وعام ألفين وخمسة عشر على التوالي. وتنص الاتفاقية المذكورة كذلك على أن الطرفين سوف يتعاونان في بناء حاملتي مروحيات إضافيتين من الطراز نفسه في أحد أحواض بناء السفن الواقعة على الأراضي الروسية. وسيعمل على بناء السفينتين الأخيرتين كونسورتيوم مكون من «الشركة الروسية الموحدة لبناء السفن» و«الشركة الحكومية الفرنسية دي. سي. إن. إس».
هذه الاتفاقية علق عليها المراقبون بأنها أول خطوة فعلية في التعاون العسكري بين روسيا والغرب منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وبالتالي يمكن اعتبارها بداية لنهاية الحرب الباردة السابقة، وتنطوي الاتفاقية على فوائد كبيرة بالنسبة لروسيا، فهي مهمة على الصعد العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا. ذلك أن هذه الاتفاقية تتيح لروسيا إمكانية الاطلاع عن كثب على تقنيات حديثة وتزويد قواتها البحرية بسلاح يتمتع بإمكانيات فريدة. ولعل ما هو أهم من كل ذلك هو إحداث خرق سياسي في المبادئ التي يقوم على أساسها حلف الناتو، أما بالنسبة لفرنسا فإن العقد يعتبر فرصة لتطوير الصناعات العسكرية ولتوفير فرص عمل في قطاع الصناعات العسكرية. كما أن للعقد قيمته المادية، إذ ان روسيا ستدفع ستمئة مليون دولار مقابل كل حاملة للمروحيات. وتلفت الصحيفة إلى أن الوزير الفرنسي آلان جوبيه تنبأ بحدوث صدام مع أعضاء في حلف الناتو، مؤكدا على أن الفائدة التي ستجنيها بلاده من التعاون الاستراتيجي العسكري مع روسيا أكثر أهمية من العوامل السلبية التي قد تتمخض عن ذلك الاتفاق.