تسبّب نشر وثائق سرية، تتضمن تفاصيل حول استعداد منظمة فتح لتقديم تنازلات لإسرائيل كثمن لإقامة دولة فلسطينية، في إثارة ضجة وحالة من الحرج. ولكن الضجة والإحراج كانا محصورين إلى حد كبير في نطاق قيادة فتح، الأمر الذي يكشف عن الفجوة الصارخة بين التصريحات الرسمية للمفاوضين، وما كانوا يقولونه بالفعل خلف الأبواب المغلقة. ثم ضاعف المسؤولون الفلسطينيون من المشكلة بالرد المفزع على ذلك، والتشكيك في صحة الوثائق، مع استنكار ما ورد فيها بشكل انتقائي.
وتظهر التناقضات في موقف المفاوضين الفلسطينيين بشكل أكبر، في ما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية، التي بدا أنهم مستعدون لقبولها، وكذلك استعدادهم على ما يبدو للتخلي عن مبدأ «حق العودة». في كلتا الحالتين، لم تلق هذه الأخبار ترحيباً لدى الفلسطينيين، بالقدر نفسه من الترحيب لدى للإسرائيليين. أما إذا كان يجب أن تحظى بالترحاب أم لا، فهذه مسألة منفصلة. فأي اتفاق سلام سوف يتطلب تنازلات في هذا المجال، ولكن تتعين صياغته، حيث توجد هناك نقاط أخرى، لا سيما قضية المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، حيث أشارت الوثائق إلى أن الموقف الفلسطيني كان أكثر صرامة.
وإذا كانت هذه الوثائق تضيء أي شيء، فإنها تضيء جانباً واحداً فقط من القصة، وهو الجانب الذي كان مفترضاً على نطاق واسع، إن لم يكن مكتوباُ فعلا. فما الذي تعلمناه من هذه التسريبات؟
لقد كشفت الوثائق تنازلات بشأن الأراضي واللاجئين، التي كانت القيادة الفلسطينية للرئيس محمود عباس على استعداد لتقديمها، من أجل ضمان قيام دولة في الأراضي التي تم احتلالها منذ 34 عاماً. فقد تم انتقاء بعض المقتطفات، بغض النظر عن التفاصيل الحية، من المفاوضات على مدى سنوات عدة. ولكننا لم نتعلم منها الكثير، بالمعنى الموسع.
إن القليل من التنازلات يعتبر أمرا جديدا تماما، بما في ذلك فكرة أن إيجاد حل للصراع، يؤول من خلاله بعض المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى إسرائيل، في مقابل تبادل للأراضي في مكان آخر، وهل سيسمح للمنحدرين من 700 ألف لاجئ فلسطيني، أجبروا على النزوح عن ديارهم في حرب 1948، بالحصول على تعويض، أو إعادة توطينهم في الدولة الفلسطينية الجديدة، أو في بلدان أخرى، بدلاً من العودة إلى منازلهم التي أجبروا على تركها في ما يطلق عليه إسرائيل الآن؟
لنأخذ مثالا على ذلك، وهو مبادرة جنيف في عام 2003، التي تعتبر بمثابة اتفاق نموذجي غير رسمي، تم التوصل إليه عندما كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على قيد الحياة، بين ياسر عبد ربه من منظمة التحرير الفلسطينية ويوسي بيلين من الجانب الإسرائيلي، فقد كانت تلك المبادرة تجسد كل تلك المفاهيم.
وفي ما يتعلق بمسألة الأرض، فقد مضى الفلسطينيون إلى أبعد مما تم الكشف عنه في الوثائق الجديدة، في الواقع. صحيح أن جميع المستوطنات الكبيرة في القدس الشرقية، أو «الأحياء اليهودية»، كما يحلو لإسرائيل أن تصفها، سوف تصبح تابعة لإسرائيل، بما في ذلك مستوطنة أبو غنيم التي أصر الفلسطينيون عام 2008، في المناقشات مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة «تسيبي ليفني»، على أن تكون جزءا من فلسطين. واقتصرت اتفاقية جنيف على الإشارة إلى السماح للاجئين بالعودة بناء على تقدير إسرائيل، التي رفضت عودة 100 ألف فلسطيني، حتى في غضون 10 أعوام، حسب ما اقترح المفاوضون الفلسطينيون، كما أشارت الوثائق المسربة.