لطالما شعر أصدقاء إسرائيل بالأسف على البلادة الواضحة في حسّها الأخلاقي، حيث يرون ذلك عاقبة مخادعة طويلة الأمد لصراعها الذي لا نهاية له مع الفلسطينيين. وسوف يتجدّد قلقهم، بعد نشر تقرير إسرائيلي بشأن الغارة التي شنتها على أسطول المساعدات المتجه لغزة في مايو العام الماضي. فقد شجب الرأي العام العالمي العنف المفرط الذي اتبعته إسرائيل في حصارها على قطاع غزة، والتصدي الدموي للسفينة الذي أسفر عن تسعة قتلى أتراك.
إن رد إسرائيل جاء عبارة عن تقرير يبرئ الجيش الإسرائيلي، ويربت على كتفها، ليس فقط على الطريقة التي أدارت بها الغارة فحسب، ولكن على حصار غزة عموماً. وبحسب لجنة «تيركل»، فإن ما حدث لا يعتبر خرقا للقانون الدولي. وليس من المستغرب أن المؤسسة السياسية الإسرائيلية كانت راضية عن ذلك، فقد هنأ وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك اللجنة، معلناً أن التقرير «أثبت أن إسرائيل دولة تحترم القانون». سوف يشعر الكثيرون أن التقرير لا يثبت شيئا من هذا القبيل، بل يبرز فقط رفضاً متزايداً من جانب إسرائيل لإخضاع أعمال جيشها في غزة والضفة الغربية للتدقيق.
لقد أدى الهجوم الإسرائيلي على غزة في نهاية ديسمبر 2008 إلى مصرع 759 مدنياً فلسطينياً، ولم تسفر التحقيقات الإسرائيلية بشأنه عن شيء يُذكر. وكان معدل الضحايا في الهجوم صادماً، وأسفرت غارة جوية على أحد المنازل، الذي كان يضم حوالي 100 مدني، عن مقتل 21 منهم. وهناك حالات موثقة تفيد بأن القوات الإسرائيلية كانت تستخدم الأطفال كدروع بشرية، فقد تم توثيق هذه الحالات على يد جماعة ناشطين في مجال حقوق الإنسان وضباط جيش سابقين في إسرائيل، تطلق على نفسها «حاجز كسر الصمت»، شهدوا بأنفسهم هذه الوقائع.
فالدولة التي تلجأ لمثل هذه التكتيكات غير الإنسانية، بينما تقدم نفسها كحامل لشعلة الديمقراطية، ينبغي عليها أن تسأل نفسها أسئلة صعبة عما إذا كان ذلك يحقق التوازن الصحيح بين المطالب الأمنية، واحترام الحقوق الإنسانية الأساسية للمدنيين المحاصرين في منطقة الحرب.
ويبدو أن هذا لا يحدث، فبعد إغلاق معظم التحقيقات المتعلقة بعملية الرصاص الذي تم إطلاقه، وأسفرت عن إدانة جندي واحد وسجنه، بسبب جرم تافه، قررت إسرائيل أن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع، عندما كان يتم الإعداد لتقرير أممي عن مذبحة غزة قبل عامين. ومن المحتمل أن يكون التقرير حرجاً، لكن إسرائيل ستتمكن من تفنيده على أنه منحاز وتباشر هي تحقيقاتها الخاصة.
أما الخاسرون في كل هذا، فهم أقارب ضحايا الغارات على غزة الذين حُرموا من العدالة. ولسوء حظهم، من غير المحتمل أن تتعرض إسرائيل لضغط كبير من أجل تفسير أفعالها بطريقة أكثر إقناعا. وحتى النقد الخفيف الذي تتعرض له إسرائيل في أميركا، يكون مشحوناً سياسياً، بينما في أوروبا ومعظم العواصم العربية يكون الخوف من تقديم العون للنظام الذي يحكم غزة، هو الشغل الشاغل. وعندما يتعلق الأمر بغزة، فإن أوروبا تميل لغض الطرف عن أعمال إسرائيل التي يمكن أن تدينها في مكان آخر.
و إذا كان لا يوجد من يهتم كثيراً بنتائج تقرير الأمم المتحدة حول الهجوم على غزة، فإن إيهود باراك بدون شك سوف يشعر بارتياح أكثر مما يشعر اليوم. وكذلك ستفعل حركة حماس التي تركز على ثقافة الاستشهاد، وتبرر عداوتها الشديدة لإسرائيل بالإشارة إلى الظلم البيّن الذي تعامل به، ومعظم العالم، الفلسطينيين.
وبعد فشل إسرائيل في الخروج نظيفة من عملية الرصاص المصبوب، أو حتى من مهاجمة أسطول المساعدات المتجه لغزة، فإنها لا تحقق تقدماً في قضيتها، ولا حتى في قضية السلام في الشرق الأوسط.