أعطت الجامعة العربية منذ فترة طويلة، الانطباع بأنه لا توجد مشكلات داخلية حقا لدى البلدان الأعضاء لديها، وأن المشكلة الوحيدة تتعلق، فقط، بمسألة وضع حد للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، والاعتراف الدولي بقيام دولة فلسطينية. ولكن خطاب أمين عام الجامعة عمرو موسى، مؤخراً، أمام مؤتمر القمة الاقتصادية العربية في شرم الشيخ، ينطوي على لهجة مختلفة تماماً، حيث قال: «إن (الثورة التونسية) ليست ببعيدة عما يدور في أذهان الجميع، فالمواطن العربي وصل إلى مرحلة لم يسبق لها مثيل من الغضب والإحباط. والأنفس العربية منكسرة بالفقر والبطالة والكساد العام».

وبدلا من أن ينحو باللوم على الولايات المتحدة أو الغرب عموماً، فقد دعا موسى الجامعة والقادة العرب إلى اتخاذ تدابير عاجلة لمعالجة العلل المتراكمة. والنتيجة هي الحاجة إلى ملياري دولار للمساعدة في تخفيف آثار البطالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وغيرها من مصادر التوتر الاجتماعي. وحثّ موسى على إحداث «نهضة عربية» لانتشال الناس من شعورهم بالإحباط.

كلمة موسى، والهمة التي امتزجت بمساهمات القادة العرب، بدءاً من السعودية والكويت، توضح السرعة والوضوح في استيعاب الرسالة من ثورة تونس. وكان من قبيل المصادفة انعقاد مؤتمر القمة مباشرة عقب الإطاحة بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، حيث تلوح في الأفق بوادر الاضطرابات الكبيرة في تونس. ومع ذلك فإن مستقبل تونس ليس فقط هو الذي يقلق بعض القادة العرب، ولكن مصيرهم أيضاً.

هذا الاهتمام، رغم أنه جاء متأخراً، فهو قائم على أساس سليم. صحيح أن جميع دول المنطقة متباينة، إلا أنها إلى حد ما، تشترك في العديد من الخصائص مع تونس. فهي تضم شبانا صغار السن، وهناك ارتفاع في معدل البطالة وتفشي الفساد، والتفاوت الإجمالي في الثروة والتعليم والحريات المدنية المهملة، وكلها تفاقمت أخيراً مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

ويعتبر هذا المزيج في أي مكان من العالم، باروداً قابلا للاشتعال، ولن يطفئ المال وحده الغضب الشعبي، وبالتأكيد لن يطفئه مبلغ الملياري دولار التي تعهدت بها الجامعة العربية. ومع أنه لا يزال هناك عدم يقين في ما يتعلق بالتطور الذي ستصل إليه الثورة التونسية، فإن ما أظهرته القمة العربية الأخيرة، يدل على أن هذه الحالة من الشكوك قد انتشرت إلى أبعد من حدود تونس.

تماماً مثل «حزب الشاي»، يتعين على هؤلاء المتظاهرين في شوارع تونس، أن يسألوا أنفسهم: هل يمكننا أن نظل كمجموعة احتجاج من المواطنين اليقظين، أم أننا يجب أن ننتقل من الاحتجاج إلى السلطة؟

تنبثق الثورة الشعبية في تونس من أطروحة تتعلق بإدارة جميع الأمور. فقناديل البحر ليست لديها أدمغة بالمعنى العادي، رغم أن لديها جهازا عصبيا معقدا نوعا ما. فلو أنك قطعت ذراع قنديل البحر، فسوف ينمو له ذراع جديد. ويمكن للبعض أن يكرر نفسه من مجرد وجود عضو واحد فقط، فالحركات دون قائد، مثل قناديل البحر.

إن حركة الاحتجاج في تونس لها السمات نفسها. فعندما يقضي الرصاص والضرب على أحد المشاركين في الاحتجاج، سوف يتقدم شخص آخر. فهل لها أدمغة تسيرها؟ هل هناك شخص مسؤول؟ حين تبحث بعناية لمعرفة ما إذا كان شخص واحد أو مجموعة ما صغيرة، هي التي تقود الثورة، فلن تجد أي دليل. ولو طالعت الصحف التونسية باللغة الفرنسية على شبكة الإنترنت، حيث أصبحت الآن حرة في النشر من دون رقابة، فالنتيجة أيضاً دون جدوى!