يبقى مصير الانتفاضة الشعبية في تونس معلقاً، وليس من الواضح ما إذا كانت البلاد سوف تكون قادرة على إغلاق صفحة الماضي.

لقد رحل الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي عن السلطة، ولكن ما زال الأشخاص الذين كانوا يديرون دولته البوليسية، منتشرين في شوارع تونس العاصمة. وينسب جزء كبير من عمليات إطلاق النار والنهب التي جرت مؤخراً، إلى عناصر من ميليشيا الدكتاتور السابق، رغم ما ذكرته صحيفة «لوموند» الفرنسية من أن قائد الأمن الرئاسي التونسي اللواء علي سرياتي قد تم القبض عليه.

كانت الوجوه المألوفة الأخرى لا تزال موجودة؛ فقد كان أحدهم واقفاً إلى اليسار وهو الوزير الأول محمد الغنوشي، الذي كان يعلن توليه منصب الرئاسة مؤقتاً، وهناك عبدالله القلال وزير الداخلية التونسي السابق، المطلوب من قبل محكمة سويسرية بتهم انتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب، ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس المستشارين.

ويسعى الغنوشي نفسه لإجراء محادثات مع ممثلين عن جميع الأحزاب السياسية، سواء في البرلمان أم المعارضة. ويعتبر ذلك فاصلاً مرحباً به لإنهاء المرحلة الماضية، التي أدت إلى انقسام المعارضة إلى قسمين، بين قوى يمكن ترويضها، أو تلك التي ينبغي سحقها، ولكن في الوقت نفسه استبعد الغنوشي الحوار مع الحزب الشيوعي، ومع الإسلاميين الذين يقيم زعيمهم راشد الغنوشي في المنفى في لندن حالياً. ولا تزال العلامات حول ما إذا كانت تونس قادرة على إغلاق صفحة الماضي والبدء بصفحة جديدة، غير واضحة المعالم.

أما مقدار المساعدة التي سوف تقدمها الحكومات المختلفة لتونس، والتي منحت بن علي الغطاء والدعم الذي كان يحتاجه حتى اللحظات الأخيرة للنظام القديم، فيبقى مسألة مفتوحة. تذهب جائزة النفاق الصفيق إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي أعلن أن فرنسا وقفت إلى جانب الشعب التونسي، ولنتناس خطاب وزيرة خارجيته «ميشيل اليو-ماري» التي أدلت به أمام الجمعية الوطنية في فرنسا، بعد وقت قصير من إعلان السلطات في تونس مقتل ‬21 من المدنيين برصاص الشرطة. فقد كان ذلك الخطاب نفسه الذي عرضت خلاله على تونس مساعدة من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية! أما أميركا والاتحاد الأوروبي، اللذان يعتبران شريكين تجاريين رئيسيين لتونس، فقد سارا على النهج نفسه.

إن آثار الصدمة الناجمة عن الثورة الشعبية في تونس، أقرب ما تكون نابعة من الداخل التونسي. فلنتدبر الطريقة التي انطلقت بها شرارة هذه الثورة الشعبية، حيث أضرم شاب جامعي تونسي عاطل عن العمل، النار في نفسه بعد أن حاولت الشرطة منعه من بيع الخضراوات من دون تصريح، وصادرت عربته التي يسترزق منها، ولم تكن لهذا الاحتجاج أي علاقة بأحزاب المعارضة، والتي كانت مصرة حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيل بن علي، على أن دولته البوليسية يمكن إصلاحها. انتشر التمرد عبر موقع «الفيس بوك»، ولم يتسن وقفه.

فإذا كان هذا يمكن أن يحدث في تونس، وهي من أغنى الأنظمة العربية وأوفرها حظاً من التعليم والاستقرار، فأي الدول الأخرى التي يمكن أن يحدث فيها ذلك؟ كانت هناك مظاهرات في الأردن مؤخراً، تدعو إلى استقالة الحكومة، وأنباء الاضطرابات في ليبيا. وقررت مصر تأجيل زيادة مقررة في أسعار السلع، وتتابع المغرب الموقف بترقب.

لقد أطلق على ثورة تونس «ثورة الياسمين»، فلم تكن ثورة دموية، ويمكن أن تمهد لموجة من القمع في مختلف أنحاء العالم العربي، في الوقت الذي يتعلم الدكتاتوريون الآخرون من دروسها.