بعد سنوات من الحرب الأهلية، التي أزهقت مئات الآلاف من الأرواح في لبنان، فإن آخر شيء تحتاجه لبنان هو عدم الاستقرار السياسي مجدداً. لذلك فإن الخطوة التي أقدمت عليها المعارضة أخيراً، والتي يقودها حزب الله لإحداث انهيار حكومة الوحدة الوطنية، تعد تطورا مثيراً للقلق، ليس فقط بالنسبة للبنان، ولا تقتصر شرارته على لبنان فحسب، ولكن على الشرق الأوسط برمته.
والسبب المعلن لانسحاب وزراء حزب الله هو قرب إعلان المحكمة الدولية القرار الظني لنتائج تحقيقاتها في قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري قبل خمس سنوات. فقد وردت تقارير بشأن استعداد المحكمة لتوجيه الاتهام بحق عدد من كبار أعضاء حزب الله، وهو الأمر الذي حذرت الجماعة من أنه سيؤدي إلى تجدد العنف الطائفي. وعلى مدار شهور ماضية، حاول حزب الله، المدعوم من قبل قوى إقليمية، إرغام رئيس وزراء لبنان سعد الحريري نجل رفيق الحريري، على التخلي عن النتائج التي توصلت إليها المحكمة، وهو ما رفضه خوفاً من فقدان مصداقيته أمام الجميع وبخاصة السنة في لبنان.
وحتى رغم أن حكومته كانت تنهار، كان الحريري في واشنطن لإجراء محادثات مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يبدو أن جهوده الرامية إلى الحيلولة دون منع هذه الأزمة قد تعثرت. وتحاول وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون التوصل إلى إجماع دولي، من الدول الغربية والعربية، لدعم كل من
الحريري والنتائج التي توصلت إليها المحكمة، وبالتالي عزل حزب الله.
إن هذه اللحظات خطيرة. فبالنسبة للبنان نفسها، فإن الطفرة التي أعقبت عقود من الاضطراب يمكن أن تؤول إلى توقف مفزع نتيجة استئناف حالة العنف. ثم إن هناك تداعيات غير مرغوب فيها في مشكلة أكبر بالمنطقة، وهي الطموحات النووية التي تراود قوى إقليمية . لذلك، فإن إنهاء هذا المأزق يصب في مصلحة الجميع.
يمكن أن تشعل هذه الخطوة المواجهة بين الأحزاب الموالية للغرب وفصائل شيعية وإسرائيل، والتي تسببت في عقود من الصراع السياسي والعسكري في البلاد.
ومع ذلك، تشير التسريبات الآن إلى أن المحكمة الخاصة بالتحقيق في اغتيال الحريري على وشك أن تصدر لوائح الاتهام ضد عناصر من حزب الله، الذي ينفي مسؤوليته عن العملية ويلقي باللوم على إسرائيل، ويهدد بإحداث الفوضى في لبنان إذا ما حدث ذلك.
أما مجلس الوزراء اللبناني، الذي يجب أن يعكس جميع الطوائف الدينية في البلاد وفقا لأحكام الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية، فإنه يحتاج إلى ثلثي أعضائه للاستمرار. فقد فشلت محاولة ،أخيراً، للتوصل إلى حل وسط بقيادة سوريا، الحليف المقرب من حزب الله، والسعودية المقربة من الحريري .
يدعي أنصار حزب الله أن المحكمة الخاصة ما هي إلا واجهة للمصالح الأميركية والإسرائيلية، وأن الحريري كان على استعداد لإبرام اتفاق لكن أصدقاءه الغربيين مارسوا عليه الضغوط .
وأعلن أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي تقوم بجولة في الشرق الأوسط، تجري محادثات عاجلة في المنطقة. فقد أشارت، أخيراً، إلى قوى إقليمية تدعم الحزب مالياً وسياسياً، تتعمد إثارة الأزمات لصرف الانتباه عن برنامجها النووي.