كان شعار «روسيا.. إلى الأمام» بمثابة البداية للنقاش حول طرق وأساليب تحديث روسيا، وكان الرئيس ديمتري مدفيديف جعل من هذا الشعار عنوانا لمقالة نشرها قبل عام من الآن، وها هو يرفد هذا الشعار بآخر يحدد مسار الحركة، أي «إلى الأمام»، نحو دولة ديمقراطية حديثة في القرن الحادي والعشرين.

وفي المنتدى السياسي العالمي الثاني الذي عقد مؤخرا في مدينة ياروسلافل، قدم مدفيديف رؤيته لوضع الديمقراطية في روسيا وسبل تطويرها، وأوضح أن البلاد من دون الديمقراطية لن تكون قادرة على المنافسة على الصعيد العالمي، ولن تكون في مصاف الدول المتحضرة والمزدهرة. وقال أثناء لقائه الخبراء السياسيين، إن التحديث بحد ذاته ليس موضع نقاش، وما يمكن مناقشته هو آجاله وطرق تحقيقه فقط. وأضاف أنه لا بديل لروسيا عن بناء مجتمع ديمقراطي، مؤكدا إيمانه بالديمقراطية لا كصيغة للنظام السياسي أو وسيلة لحكم البلاد فحسب، بل كطريقة لتخليص الإنسان من الفقر والمذلة كذلك.

مدفيديف بقوله هذا رد في آن واحد على نقاده في الداخل والخارج، الذين يعتقدون أن السلطات الروسية تسعى لفرض نظام استبدادي، لا لبناء مجتمع ديمقراطي. كما رد على الانتقاد الشائع الموجه للسلطة الروسية في ما يتعلق ببطء وتيرة بناء النموذج السياسي الحديث في البلاد، وأوضح أن بالإمكان زيادة سرعة هذه العملية، لكن ذلك قد يؤدي إلى التدهور عند المنعطفات، لذا فمن الواجب إجراء التغيرات الديمقراطية في البلاد على مراحل وبشكل متأن. وعبّر عن ثقته بأن بناء الديمقراطية يجب ألا يكون من الكريملن أو دار الحكومة، لافتا في الوقت ذاته إلى أنه منكب على إجراء الإصلاحات منذ انتخابه رئيسا.

ويرى مدفيديف أن بناء الديمقراطية واجب على جميع القوى في البلاد، أي الأحزاب السياسية والمسؤولين والمواطنين كافة، كما أن عملية التحديث وإشاعة الديمقراطية لا تقتصر على مؤسسات الدولة وحدها، بل يتوجب على جميع المواطنين تحديث أنفسهم كذلك. ويبرز مدفيديف أن القدرة على إجراء عملية التحديث تتوقف على المواطنين الأحرار، فــ«الإنسان الخائف من الدولة وأجهزة الأمن والمنافسين، لن يقدر على المساهمة في عملية التحديث».

لقد صاغ مدفيديف ما يمكن وصفه بالمعايير الخمسة الشاملة للديمقراطية، أو معايير دولة القرن الحادي والعشرين في روسيا، وهذه المعايير تجمع في واحد تحديث الاقتصاد وتحديث النظام السياسي. المعيار الأول، هو التجسيد القانوني للقيم والمبادئ الإنسانية، أما المعيار الثاني فهو قدرة الدولة على ضمان مستوى عال للنمو في قطاع الابتكارات. ويتلخص المعيار الثالث للديمقراطية الحديثة بحسب مدفيديف، بقدرة الدولة على حماية مواطنيها من عواقب نشاط العصابات الإجرامية، كالإرهاب والفساد وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية. والمعيار الرابع هو المستوى العالي للثقافة والتعليم ووسائل الاتصال. وقال مدفيديف إن ذاك الزمن الذي كان الزعماء فيه يملون على بسطاء الناس طريقة عيشهم، قد ولى إلى غير رجعة، ومن ناحية أخرى، على المواطنين إدراك أن الديمقراطية لا تعني الحرية فقط، بل تتضمن أيضا قيودا ذاتية. ويقول سيد الكريملن إن تخفيف قيود الدولة عن المجتمع، يلقي على أفراده جزءا من المسؤولية التي كانت تقع على عاتق الدولة. وهذا يشكل منطلقا للمعيار الخامس والأهم، وهو اقتناع المواطنين بأنهم يعيشون في مجتمع ديمقراطي. ويوضح مدفيديف أن الحكومة تستطيع أن تعيد على مسامع المواطنين مراراً وتكراراً أنهم يتمتعون بالحرية، لكن الأهم من ذلك هو اقتناع المواطنين أنفسهم بأنهم أحرار.