جعلت الأحداث في السنوات الأخيرة سياسة الانحياز التي كانت تتبعها بريطانيا مع إسرائيل (التي بدت طبيعية يوماً ما)، أمراً ينطوي على مفارقة تاريخية ومثيراً للارتباك. الأمر لا يقتصر على مجرد الأحداث الداعية للاستنكار في الذكرى الثانية للعدوان الإسرائيلي على غزة، فقد جاءت اللحظة المحورية قبل ما يزيد على أربع سنوات ماضية، مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
بالتأكيد، تم استفزاز إسرائيل عبر الحدود، ولكن الرد الإسرائيلي جاء غير متوازن، فقد قتل نحو 1200 لبناني، بينهم العديد من النساء والأطفال. وقد شاهد جندي شجاع للغاية من الذين خدموا في الجيش البريطاني لمدة 25 عاماً، بعض الهجمات الإسرائيلية، وقال في وقت لاحق إنه لم يمر بأي تجربة مثل عدم وجود قلق على حياة البشر البريئة التي تتعرض لها القوات الإسرائيلية، لدرجة أنه يرفض الآن دخول إسرائيل. إلا أن بريطانيا، اتباعاً لقيادة الولايات المتحدة، رفضت الدعوة لوقف إطلاق النار، دع جانباً إدانة ممارسات إسرائيل. قبل عامين، عندما اجتاحت إسرائيل غزة، كان رد الفعل البريطاني والأميركي هو الصمت تقريباً. وخلال الأشهر القليلة الماضية، واصلت إسرائيل بناء المستوطنات، في الضفة الغربية والقدس الشرقية، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي. واختار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن يدير ظهره للعالم. ونتيجة لذلك، فإن عملية السلام في الشرق الأوسط ماتت، وتلاشى احتمال قيام دولة فلسطينية مستقلة.
بالتأكيد، هناك أخطاء جسيمة ارتكبها جميع الأطراف، لكن لا أحد يستطيع أن يجادل في حقيقة أن نتنياهو، هو الذي يجب أن يتحمل مسؤولية قرار إسرائيل الاستمرار في بناء المستوطنات. وفي الوقت نفسه، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يملك وحده وسيلة ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، يبدو مشلولاً. ففي حالة تنصل مذهلة من الواجب، فقد أوباما الأمل هو ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وترك منطقة الشرق الأوسط لآلياتها الخاصة.
يشكل هذا الوضع مشكلة ملحة للحكومة البريطانية، فلاتزال الاستجابة التقليدية البريطانية لمواءمة أنفسنا مع الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، متاحة، ولها أنصارها في قلب الحكومة. ولكن في ضوء الأحداث التي وقعت في الأسابيع القليلة الماضية، أصبحت سياسة تحمل معها تكاليف أخلاقية وغيرها. فهي سياسة تعني المشاركة في التواطؤ، جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة، من أجل بناء المستوطنات، ووضع السجن الذي يسود الآن في غزة، ومن أجل سياسة التخلي الجبانة للرئيس أوباما عن البحث عن السلام والرقي.
وينقسم مجلس الوزراء البريطاني إلى ثلاثة اتجاهات، وينبغي القول إن بعض أقوى الوزراء يؤيدون نتنياهو والولايات المتحدة. وقد ألقى وزير المالية البريطاني جورج أوسبورن، خطاباً غير عادي أخيراً في حفل عشاء للاحتفال بالذكرى 250 لمجلس النواب البريطانيين اليهود. وأكد الوزير، الذي تمت تبرئته من قبل وزارة الخارجية، مجدداً الموقف الرسمي البريطاني، الذي يطالب بوقف المستوطنات، لكن خطابه كان مفعماً بعبارات بلاغية موالية لإسرائيل. ويتخذ وزير الدفاع البريطاني ليام فوكس، ووزير التعليم مايكل غوف الموقف نفسه.
لكن العديد من وزراء حزب الديمقراطيين الأحرار، يتخذون الموقف المعاكس تماماً، حيث ينتقدون إسرائيل نقداً لاذعاً، ويدعمون القضية الفلسطينية. وقبل الانتخابات، أبدى الحزب تأييداً قوياً لفلسطين، ففي الواقع كان نيك كليغ، هو الزعيم الوحيد الذي يتحدث بقوة ضد غزو غزة. ولم تتغير هذه الآراء بعد توليه منصبه، حيث يحث كليغ بريطانيا على التخلي عن تبعيتها للولايات المتحدة، وانتهاج سياسة مستقلة تجاه الشرق الأوسط.