يدير وزير الخارجية البريطاني المحافظ التقليدي «وليام هيغ»، سياسة أبعد ما تكون عن الطابع التقليدي للسياسة الخارجية لحزب المحافظين في بريطانيا. وهي سياسة أقل تمايزاً عن الولايات المتحدة، مما قد يتوقع، وأكثر حزماً في منطقة البلقان وغيرها من المناطق الأخرى، وأكثر استقلالية في التفكير تجاه الشرق الأوسط.
يعتبر قرار «هيغ» برفع مستوى مكتب التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في بريطانيا إلى بعثة دبلوماسية كاملة، بمثابة إشارة إلى هذه السياسة. وهي إيماءة رمزية، ولكن الرموز يمكن أن تكون مهمة، وقد أثار هذا الإجراء والتوقيت سخط حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في إسرائيل، خاصة وأن هذه الخطوة من جانب بريطانيا تتماشى مع الإجراءات التي اتخذتها البلدان الأوروبية الأخرى، مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال.
وسوف يهدأ انزعاج إسرائيل من بريطانيا، بمعرفة أن منح المندوب الفلسطيني في لندن مكانة سفير، ليس على المستوى نفسه الخاص بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. فقد اتخذ العديد من بلدان أميركا اللاتينية هذه الخطوة، ولكن ليست هناك أي دولة أوروبية على استعداد للمضي أبعد من الخطوة البريطانية، وذلك لسبب وجيه، ففي غياب أي اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين، ليس من الواضح أن هذه الخطوة ستكون ذات فائدة عملية لأي طرف. ورغم ذلك، فمن المؤكد أنه لا يمكن استبعاد الاعتراف الدولي الأوسع نطاقاً بإقامة دولة فلسطينية، وهو الأمر الذي يدركه بعض الوزراء في حكومة نتنياهو. فمن جهته، قال وزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي من حزب العمل بنيامين بن اليعازر، إنه لن يفاجأ باعتراف «العالم بأسره» بفلسطين في غضون عام، إذا استمر المأزق الراهن. وتعتبر هذه مبالغة، فلا يزال دعم إسرائيل راسخاً في الولايات المتحدة. وبدلا من «انقلاب العالم» ضد إسرائيل، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو التباين المتزايد في الرأي بين تحالف أميركا وإسرائيل من ناحية، وبقية العالم من ناحية أخرى.
ورغم أن الخطوة البريطانية ستكون رمزية أكثر منها عملية، إلا أنها تأتي في وقت حرج، بسبب الضيق الإسرائيلي المتزايد بشأن الجهود الفلسطينية الرامية لنيل اعتراف دولي يسبق المفاوضات أو اتفاقية السلام. وقد اكتسبت هذه الجهود زخماً في أعقاب القرار الأميركي، بالتخلي عن جهود إقناع نتنياهو بتمديد تجميد الاستيطان مقابل استئناف المفاوضات المباشرة بين الطرفين. وأصرّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس على عدم المشاركة في المفاوضات دون تجميد الاستيطان.
وليست لدى الحكومة البريطانية أي نية لأن تتخذ من دول أميركا اللاتينية مثالاً تقتدي به، بل إنها تتبع الخطوات التي قامت بها كل من فرنسا وإسبانيا والبرتغال منذ الصيف الماضي. وكانت أميركا قد رفعت مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في واشنطن إلى «وفد عام»، كما هو سائد في معظم الدول الأوروبية، بما فيها بريطانيا.
إن هذه الخطوة البريطانية قد لا تسبب أي تأثير على العمل اليومي للممثل الفلسطيني في لندن، الذي يشغل منصبه حالياً مانويل حساسيان، ولكنها قد تسمح بإطلاق اسم «بعثة» على الوفد الفلسطيني، وسوف تمنح الحق للممثلين في المستقبل بالمثول أمام وزارة الخارجية لدى أول وصول لهم إلى لندن.
وخلافاً للخطوة الفرنسية التي تمنح الممثل الفلسطيني، المعترف به رسميا من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، حق تقديم أوراق اعتماده لرئيس الدولة، فإن الخطوة البريطانية قد لا تمنح حق تقديم الأوراق للملكة، كما يحظى به سفراء الدول.
وقد انطلقت الخطوة البريطانية، شأن نظيرتها الفرنسية، من الاعتراف بأن الحكومة الفلسطينية برئاسة سلام فياض أحرزت تقدماً كبيرا في الإصلاحات على مستوى الأمن والخدمات، ضمن خطته التي تستغرق عامين من أجل الإعداد لقيام دولة فلسطينية، وليس من خلال المأزق الأخير في المفاوضات.