ستحلُّ في 2011 الذكرى الـ20 لانهيار الاتحاد السوفييتي، وسيكون هناك بالتأكيد الكثير من التحليلات حول معنى ذلك، وأين تقف روسيا بعد عقدين من الزمان. ولكن إحدى أهم النتائج أصبحت واضحة خلال عام 2010، وهي أن روسيا كرست قطيعة نفسية مع ماضيها ومكانتها السابقة كإمبراطورية. حاول الرئيسان الروسيان السابقان، بوريس يلتسين وفلاديمير بوتين، وفي الآونة الأخيرة الرئيس الحالي ديمتري ميدفيديف، استعادة مكانة روسيا السابقة كلاعب عالمي رئيسي ومركز قوة إقليمي بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وحاولت السياسة الخارجية لروسيا إقناع الغرب بأن ضعف البلاد خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، كان حادثاً تاريخياً، وأن صعود الغرب بالنسبة لروسيا كان مجرد مصادفة. وحتى وقت قريب، فقد اعتبر انهيار الاتحاد السوفييتي بمثابة الموشور الرئيسي الذي من خلاله تم تحديد هوية البلاد، وركزت السياسة الخارجية للرؤساء الثلاثة الأول على الغرب.
ولكن كانت الحرب بين روسيا وجورجيا في أغسطس عام 2008، بمثابة نقطة تحول في هذه العملية. فقد أظهرت الحرب قدرة روسيا على وقف ما كان يبدو توسعاً زاحفاً لـ«ناتو» في اتجاه الشرق، وحدد بوضوح مجال نفوذ موسكو في شمال القوقاز.
بعد النزاع، كان أمام الكريملن خياران أساسيان: إما البناء على النجاح العسكري والسياسي ومحاولة استعراض قوته في مناطق جديدة، أو الاكتفاء بحقيقة أنه قد وجّه إنذاراً لأكبر مؤيد لجورجيا، وهي الولايات المتحدة، ومواصلة التخلي عن طموحاته الإمبراطورية. في عام 2010، أصبح من الواضح أن روسيا قد اختارت الخيار الثاني.
في الوقت نفسه، اتخذت موسكو منعطفاً حاسماً نحو آسيا. ورغم أن السياسة الروسية في الماضي إزاء آسيا كان المقصود منها إظهار أن موسكو لديها شريك بديل، فإن تلك السياسة الآن تعتبر مستقلة عن الاعتبارات الأخرى. والمشكلة هي أنها في علاقاتها مع آسيا، يتعين على روسيا أن تبدأ بشكل أساسي من الصفر. وحتى عندما كانت روسيا في أضعف حالاتها في فترة التسعينات، فإنها كانت لا تزال تشكل قدراً كبيراً من الأهمية السياسية بالنسبة لأوروبا. لكن بالنسبة لمعظم البلدان الآسيوية، فإن روسيا لم تكن موجودة عملياً كعامل استراتيجي إقليمي، وقد ظل هذا صحيحاً حتى عندما أصبحت أكثر قوة على الساحة العالمية في مستهل الألفية الثالثة. ويرتبط انخفاض حدة التوترات بين روسيا و«ناتو» والاتحاد الأوروبي، بالتراجع التدريجي لهذه التوترات. ورغم أن روسيا لا تزال تنظر إليها أوروبا كمصدر للحداثة، إلا أنها لم تعد تنظر إليها على أنها المصدر الوحيد.
لقد انخفضت المخاطر في السياسة الأوروبية بشكل حاد. وقبل عامين، بدا الأمر كما لو أن مسألة الإبقاء على أسطول البحر الأسود في «سيفاستوبول»، التي كانت تستحق الذهاب إلى الحرب قد انتهت. لكن عندما توصل زعماء العالم إلى اتفاق في الربيع الماضي للإبقاء على الأسطول في موقعه لعدة سنوات، لم يلتفت العالم لذلك.
من المحتمل أن تكون معاهدة ستارت الجديدة، آخر حلقة في سلسلة معاهدات نزع السلاح على نمط الحرب الباردة. وعلى الأرجح، لن تقوم الاستراتيجية النووية الروسية في المستقبل على الحفاظ على التكافؤ النووي مع الولايات المتحدة، فموسكو تبدأ حالياً إدراك أنها بحاجة إلى ترسانة نووية ذات حجم كافٍ لردع أي تهديدات من دول أخرى.
وبينما تركت روسيا وراءها طموحاتها الإمبراطورية، فإن النقطة المرجعية لتحديد ذاتها، لم تعد تضرب جذورها في الاتحاد السوفييتي، وإنما في موضع ما من مستقبل غير مؤكد. والمهمة الرئيسية التي تواجه البلاد، هي القيام بكل ما في وسعها ليكون هذا المستقبل ثابتاً ومزدهراً.