يعتمد رحيل القوات الأميركية عن أفغانستان، من حيث التوقيت والظروف، إلى حد كبير على الجنرال الأميركي «وليام كالدويل» الرابع، الذي يقضي عيد الميلاد الثاني في كابول، بعيداً عن أطفاله الثلاثة الصغار. وباعتباره قائداً لبعثة تدريب «ناتو» في أفغانستان، فهو المسؤول عن إعداد جيش مؤهل وقوة شرطة وطنية، سوف يحلانّ (نظرياً) محلّ القوات الأميركية و«الناتو» في نهاية المطاف.
وشأن الكثير مما يجري في أفغانستان، فإن هذه الصورة ضبابية. لم يستثمر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الموارد اللازمة لبناء قوة أمن أفغانية جادة قط، لذلك كان أمام الجنرال «كالدويل» أقصر مدة لبذل الحد الأقصى من الجهد عندما تولى مهامه قبل عام واحد.
لقد أحرز فريقه مكاسب مؤثرة، وزاد قوام الجيش الأفغاني من 97 ألف جندي إلى 138 ألفاً، واتسع نطاق الشرطة الوطنية من 95 ألفاً إلى 120 ألف رجل، ويجري تشكيل قوة جوية ناشئة. ولكن لا يزال ينقصهم 700 مدرّب، ويفقدون عدداً كبيراً جداً من القوات الأفغانية المدربة بفعل الاستنزاف. وهم بحاجة إلى تخريج مزيد من الضباط بسرعة، كما أنهم يكافحون من أجل توفير مهارات القراءة الأساسية لـ86 من المجندين الأميين. فإذا كان الأفغان لا يمكنهم قراءة الخرائط، حسبما قال لي الجنرال «كالدويل»، فلن يمكنهم إخبار الأميركيين بأماكنهم إذا كانوا بحاجة إلى الإخلاء الطبي في حالات الطوارئ أو الغارات الجوية. قوات «ناتو»، المدعومة بـ30 ألف جندي إضافي من القوات الأميركية والوحدات الأفغانية، تُحرز تقدماً في عمليات التطهير المشتركة للأقاليم المهمة في معقل حركة طالبان.. ومع ذلك، فإن المئات من القوات الأميركية في هذه المواقع البعيدة تتعرض لإطلاق النار يومياً. تم تحقيق الكثير من خلال تصعيد كبير وضروري، في ما يتعلق بهجمات الطائرات الموجهة عن بعد التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، عبارة عن 50 عملية منذ سبتمبر الماضي مقارنة مع 60 عملية في الشهور الثمانية السابقة، على امتداد الحدود مع باكستان حيث تفر عناصر تنظيم القاعدة وحركة طالبان إلى ملاذاتهم الآمنة.
يجب أن يتم تصعيد كل جانب من جوانب استراتيجية شاملة، ليس فقط القتل والتدريب، والجنرال ديفيد بترايوس، القائد الأميركي الأعلى لقوات «ناتو» في أفغانستان، يعرف ذلك. وقوات حلف «ناتو» تعمل على توفير فرص من أجل حكم محلي محسّن، وأيضاً من أجل مشروعات المياه والزراعة والمدارس والعيادات الصحية المهملة منذ فترة طويلة، حتى لا يتحالف الأفغان مع حركة طالبان.
ولكن جهودهم تم تقويضها على يد الحكومة الأفغانية الفاسدة، والتي غالباً ما تفشل في إرسال الناس لتشغيل مكاتبها المحلية والإقليمية، وعينت حكاماً فاسدين أو غير مؤهلين للمقاطعات والمناطق. كذلك، فإن افتقار الحكومة إلى وجود آلية للفصل في النزاعات على الأراضي، يترك الناس معتمدين على المحاكم الدينية لطالبان التي تقيم عدالة سريعة وشعبية. إن قرار «ناتو» بمواصلة القتال حتى عام 2014، عندما يفترض أن يضطلع الأفغان بالمسؤوليات الأمنية، يبدو أنه غيّر الحسابات في اتجاه واحد. فجميع الأطراف تعرف الآن أن قوات التحالف منتشرة في كل مكان، والمسلحون يقعون تحت الضغط، «وتم توفير منصة للنجاح»، على حد قول أشرف غاني، وزير المالية السابق، ومستشار الرئيس الأفغاني قرضاي.
إننا نأمل أن يكون محقاً، لكن خمسة أيام في أفغانستان اعتبرت بمثابة تذكير بالتحديات العظمى التي لا تزال قائمة. حتى أن قادة الجيش الأميركي يقولون إن المكاسب الأخيرة قابلة للارتداد، ولن يعرفوا حتى حلول فصلي الربيع أو الصيف، ما إذا كان من الممكن تحويلها إلى مكاسب دائمة.