تجهّز المناورات العسكرية الجيوش لاحتمال نشوب صراع مفتوح مع الأعداء، وفي الغالب تهدف إلى ردع الصراع من خلال تحذير الخصوم بأن الدولة وحلفاءها مستعدون للمعركة، وأنه سيتم التصدي لهذا العدوان. يتم إرسال رسالة ثالثة إلى جمهور مختلف، وهم الحلفاء والشركاء والرأي العام. إنها تذكير بأن الدولة تحمل مسؤولياتها الأمنية على محمل الجد، وأنها مستعدة للعمل بمفردها أو مع حلفاء للدفاع عن مصالحها القومية. تعتبر تلك الرسائل جميعها مهمة، وتساعدنا على فهم الدفق الأخير من المناورات العسكرية في شمال شرق آسيا.
وبعد سلسلة من العمليات الحربية التي قامت بها كوريا الشمالية ضد جارتها الجنوبية، التزمت الأخيرة والدول المعنية الأخرى ضبط النفس، فلم تتخذ أي إجراءات عسكرية علنية، رغم الطلب المتزايد من قبل الجمهور الكوري الجنوبي لسيؤول بالقيام بذلك.
وفي يوليو الماضي، أجرت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة مناورات عسكرية، شاركت فيها عشرون سفينة ومئة طائرة وأكثر من ثمانية آلاف فرد. وبعد أربعة أيام من قصف جزيرة «يونغبيونغ»، حشدت الدولتان الحليفتان المزيد من القوات من أجل إجراء المزيد من التدريبات، والتي تعد هذه المرة أكبر مناورات بحرية مشتركة في غضون عقود قبالة الساحل الغربي لشبه الجزيرة الكورية. وأعقب هذه التدريبات إجراء أضخم مناورات عسكرية ميدانية مشتركة بين الولايات المتحدة واليابان، وهي عملية «السيف المشحوذ» التي شملت مشاركة 34 ألفا من عناصر قوات الدفاع الذاتي (الجيش الياباني)، و40 سفينة حربية و250 طائرة، جنبا إلى جنب مع 10 آلاف جندي أميركي و20 سفينة و150 طائرة. في الواقع، تعتبر «السيف المشحوذ» الجولة العاشرة من هذه المناورات منذ عام 1986، وأكد وزير الدفاع الياباني «توشيمي كيتازاوا» على «أننا لا نستهدف بلداً بعينه».
أرسلت كوريا الجنوبية مراقبين للانضمام الى التدريبات اليابانية الأميركية، لأول مرة، مثلما قام مراقبون من جيش الدفاع الذاتي البحري بالمشاركة في التدريبات بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في يوليو الماضي. وواكب هذا التعاون والتنسيق العسكري الثلاثي، جهوداً على الجبهة الدبلوماسية عندما انضم وزير الخارجية الياباني «سيجي مايهارا» إلى نظيره الكوري الجنوبي «كيم سونغ هوان» في واشنطن. وهناك أدانوا، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، سلوك كوريا الشمالية وطالبوا «بيونغيانغ» بالامتثال للالتزامات التي قدمتها في المحادثات السداسية. وردّت كوريا الشمالية بتبجحها المعتادة، شاجبة هذه التحركات باعتبارها مقدمات للحرب، بينما فشلت في ملاحظة العلاقة بين أعمالها الإجرامية والردود الناجمة عنها.
ما يثير الدهشة هو رد فعل الصين، فقد رفضت انتقاد سلوك «بيونغيانغ»، وأدانت المناورات العسكرية بدلاً من ذلك. وقدمت بكين الدعم الاقتصادي والسياسي إلى كوريا الشمالية، مع غطاء دبلوماسي وتمييع قرارات الأمم المتحدة، والاستمرار في مطالبة الحكومات المعنية باستئناف المحادثات السداسية. وعندما تم الضغط عليها من قبل وزراء الخارجية الثلاثة من أجل بذل المزيد، ردّت الصين قائلة إن مثل هذه المطالب غير معقولة. المفارقة في الأمر أن كل الدبلوماسيين الصينيين وكبار المسؤولين، يصرون على أن الأولوية العليا لدى الصين هي الحفاظ على بيئة مستقرة، لكي يتمكن البلد من تحقيق التنمية الاقتصادية، ومع ذلك فإن تصرفات كوريا الشمالية تعرض السلام والاستقرار للخطر.
ويعتبر رد فعل اليابان وكوريا الجنوبية أمراً مثيراً للقلق بالقدر نفسه، بالنسبة للصين. فماذا يزال الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لبكين، هو التركيز على التعاون الثلاثي بين طوكيو وسيؤول وواشنطن. وقد ساعدت كوريا الشمالية على توطيد العلاقات بين الأطراف الثلاثة، وجعلت الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للصين.
صحيفة «جابان تايمز» اليابانية