الجوع يجتاح مناطق شتى وساحات واسعة من رقعة العالم الذي نعيش فيه. وبديهي أن غائلة الجوع هي المعادل المرادف لآفة نقص الغذاء، وهو ما لا يزال يسبب صداعاً لا يكاد ينقطع سواء لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) - والمنظمة الدولية السابقة على، أو المتزامنة مع تأسيس وظهور «الأمم المتحدة» نفسها في عام 1945..

فضلاً عن مؤسسة أخرى هي برنامج الغذاء العالمي الذي تؤرق مضاجعه بداهة غوائل الجوع ونقص الطعام في طول عالمنا وعرضه على السواء.

توفير الغذاء

وربما تزداد هواجس ومخاوف تلك المنظمات الدولية من جراء حقيقة أصبحت بديهية وتقول دون مواربة بما يلي: مطلوب توفير ما يكفي من الغذاء اللازم لإطعام سكان العالم، المقرر أن يصل عددهم – حسب إسقاطات الإحصاء الرياضي إلى تسعة – نعم تسعة مليارات نسمة في عام 2050 يعني خلال أقل من جيل واحد من عمر البشرية.

لكن كاتباً أميركياً هو «مارك بتمان» يرفع عقيرته مؤخراً ليوضح ما يلي: إن المسألة ليست في نقص الأغذية وما في حكمها من صنوف الطعام.. المسألة هي نقص القدرة المالية على جلب أو توفير المقدار الكافي من الأغذية – اللازم لاستمرار الحياة. وبمعنى أن المسألة تلخصها ببساطة شديدة وموجعة أيضاً كلمة واحدة وهي: الفقـــر.

وفي ضوء هذه المقولات المبسطة يمضي الكاتب الأميركي قائلاً: ليس هناك جائع إذا ما كان يملك نقوداً.

والمعنى – يواصل «مارك بتمان»:

- لا يوجد نقص في الطعام.. ولا مشكلة في توزيع الأغذية: المشكلة هي أنني لا أحوز مساحة الأرض المطلوبة ولا أملك الموارد التي تتيح لي إنتاج ما احتاجه من الطعام.

الفقر والاستغلال

في هذا السياق يمضي الكاتب الأميركي قائلاً:

- ليست أوضاع الفقر أو الجوع مجرد حالات من سوء الحظ: إنها حالات ناجمة عن قوم يتجاسرون على الأراضي التي يمتلكها – المزارعون البسطاء ثم يدفعونهم بعيداً عن أراضيهم التي باعوها وبعدها يستولون على ما تحويه تلك المساحات المشتراة من موارد المياه والطاقة والمعادن.. بل ولا يتورّع هؤلاء المشترون الجدد عن إنتاج المحاصيل النقدية المربحة لزوم التصدير إلى الخارج..

وهم بهذا يهبطون بالعاملين في زراعة تلك المحاصيل إلى مستوى العمال اليدويين الذين يمكن أن يواجهوا غوائل المسغبة بعد أن حيل بينهم وبين ما كانوا يحوزونه من مساحات الأرض المنتجة لأنواع الطعام.

التعامل مع الغذاء

ثم هناك – يضيف المحلل الأميركي- مشكلة الاختلال في نظام التعامل مع الغذاء: لقد أصبح هذا النظام موجها للحصول على المال بدلاً من أن يوجه لصالح إطعام البشر..

وهنا يشير الكاتب الأميركاني إلى الجهود الرامية إلى اخراج مساحات شاسعة من زراعات الذرة مثلاً من ساحة التزويد بالطعام ولصالح استخراج مادة الإيثانول وما في حكمها من أنواع الوقود ذات الأساس العضوي كما يسمونه.

الحل إذن يلخصه «مارك بتمان» (نيويورك تايمز، عدد 11/11/2014) على النحو التالي:

.. الحلّ يتمثل مثل كل شيء في القضاء على الفقر، في استئصال شأفة الفقر.

العدل الاجتماعي

الحاصل – يضيف الكاتب المذكور- إن عالمنا لا يزال يضم وفرة من الطعام.. ومن هذه الوفرة ما يتجه أمام أعين الجميع، إلى مسارات شتى ما بين إطعام الحيوانات أو لتحويله إلى مصادر للطاقة ومن هذه الوفرة ما يتعرض لمصير الاستبعاد والإهمال ليصبح مجرد بقايا أو نفايات.

من هنا – يخلص «بتمان» إلى تجاوز الشعار الذي يقول: «علينا أن نطعم العالم».

وهو في هذا المضمار يدعو للمبادرة إلى تفعيل مبادئ العدل الاجتماعي، موضحاً أن الشعار الأمثل المطلوب تكريسه في عالمنا الراهن هو: علينا أن نقضي على الفقر.

كتاب

العالم مسرعاً إلى أحوال متغيرة

إضافة إلى الشهرة التي تحيط باسم «توماس فريدمان» بوصفه كاتباً.. مراسلاً ومحللاً صحافياً ينتمي إلى جريدة «نيويورك تايمز» بكل شهرتها وبالغ تأثيرها على صانع القرار في الولايات المتحدة..

فإن شهرة «فريدمان» حازت المزيد من الذيوع بل والتعمق بعد أن نشر في السنوات الأخيرة عدداً من الكتب التي أودع بين صفحاتها رؤيته بالنسبة إلى المشهد الدولي الراهن، فضلاً عما آلت إليه أحوال الإنسانية من أوضاع وتطورات ناجمة بدورها عن التحول الخطير نحو ظاهرة العولمة بكل ما ارتبط بها وكل ما نجم عنها من متغيرات في حركة المجتمعات وفي فكر الإنسانية وفي سلوكيات الناس.

من أهم إصدارات «توماس فريدمان» السابقة كتابه الشهير الصادر تحت العنوان التالي: الدنيا مسطحة، لكن ها هو ينشر واحداً من أحدث مقالاته مستوحياً نفس الإيقاع الذي تتردد أصداؤه في العنوان السابق.. حيث جاء المقال تحت العنوان التالي: الدنيا مسرعة.

كتب «فريدمان» مقاله عقب انتهاء الانتخابات النصفية للمجلس التشريعي الأميركاني – الكونغرس. والحاصل أن المقال المذكور لم يتوقف كثيراً عند نتائج تلك الانتخابات التي جاءت، كما أصبح معروفاً- بأغلبية، أو شبه أغلبية، لصالح المعارضة الجمهورية في أميركا وطبعاً على حساب الحزب الديمقراطي الحاكم. إلا أن «فريدمان» حرص على تنبيه قومه وقارئيه إلى أن هذه الأوضاع المستجدة جاءت في غمار تطورات تستحق مزيداً من الدرس والاهتمام.

قانون

3 قوى عاتية تؤثر على الساحة

تطورات المشهد العالمي – العولمي الراهن أصبحت تؤثر فيه قوى رئيسية ثلاث هي على النحو التالي:

.. (1) السوق

.. (2) الطبيعة – الأم

.. (3) قانون «مور»

وفيما يمكن فهم الأثر الذي يمكن أن تفعله قوى السوق، حيث يتحكم فيها بالذات قانون العرض والطلب، وفيما أصبح مفهوماً كذلك طبيعة الآثار التي تنطوي عليها قوى الطبيعة التي ما برحت تجتاح «أمّنا- الأرض» ما بين تغير المناخ أو تلوث الغلاف الجوي أو انصهار الجبال الجليدية عند القطب في شمال الكرة الأرضية وعند قارة أنتاركتيكا المتجمدة من القطب الجنوبي لكوكب الأرض، فإن الأمر كان بحاجة إلى مزيد من تفسير حكاية «قانون مور» على الوجه التالي: إنه النظرية التي تقول بمضاعفة سرعة وفعالية الشرائح الدقيقة (مايكروشيبس) كل سنتين.

وهو ما يؤدي إلى زيادة مندفعة ومطردة بغير انقطاع في قوة وقدرة وفعالية البرمجيات المحوسبة وأجهزة الحواسيب الإلكترونية (الكومبيوتر) وهو ما يعني بنفس القدر إمكانية أن تحّل هذه الأجهزة وهذه البرمجيات الإلكترونية وكائنات الروبوت إياها محل البشر من المهندسين والفنيين والعمّال في أداء المهام والوظائف عبر المستويات المختلفة من الأداء الصناعي مع ما يرتبط به من وظائف وأعمال.

فيما تؤدي هذه التطورات إلى فقدان البشر الوظائف والأعمال، إلا أن هذه التطورات كفيلة بحد ذاتها بأن تخلق أيضاً لصالح البشر وظائف ومِهَناً وأعمالاً جديدة تتطلب بالطبع مهارات وقدرات مستجدة ودقيقة ويتعين عليهم اكتسابها.