صحيح أن عام 2016 هو الذي يشهد – حسب أعرافهم السياسية - افتتاح سباق الرئاسة في أميركا.. وصحيح أن المنافسة قد بدأت تحتدم من الآن بين أبرز اثنين من مرشحي هذا السباق المرتقب - وهما «جيب بوش» مرشحاً عن الحزب الجمهوري المعارض، و«هيلاري كلينتون» مرشحة عن الحزب الديمقراطي الذي يحكم الآن من خلال «باراك أوباما» في البيت الرئاسي الأبيض.

لكن الملاحظ في المرحلة الراهنة أن حملة العداء للمرشحة «هيلاري» قد بدأت بالفعل في هذا الوقت المبكر.. ولدرجة أن أصبحت أقرب إلى ظاهرة يتعايش معها الناس، فيما تثير بالطبع اهتمام - بل و«شهية» - مراقبي ومحللي المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.

المشهد السياسي

والحق أن اهتمامنا بمعطيات أو مجريات المشهد السياسي المذكور لا يصدر عن شعور مفتون بما يحدث في أمريكا، بقدر ما ينبع من رغبة ذات توجّه علمي أو موضوعي تدفع إلى الإفادة من أبعاد ذلك المشهد ومن تطوراته ومن مآلاته، وهو ما يشكل في التحليلات الأخيرة إضافات إلى محصّلة الوعي السياسي بالممارسة الديمقراطية مما قد يشكل أيضاً دروساً مستفادة تضيف بدورها إلى تجارب التحول الديمقراطي في مواقع شتى من خارطة عالمنا.

من هنا يأتي الاهتمام مثلاً بالمقال الذي نشرته مؤخراً الكاتبة الأمريكية «آمي شوريك» في مضمار رصدها لإرهاصات الحملة الدعائية المعادية لترشيح «هيلاري» إلى المنصب رقم واحد في بلادها، وهي بالطبع سابقة فريدة في تاريخ الولايات المتحدة.

الدعاية المضادة

تشير المقالة المذكورة إلى التحولات التي أضفتها الدعاية المناوئة لـ«هيلاري» ثم تتوقف عند ثلاثة منها على النحو التالي:

.. أولاً: صَوّروها أنها السيدة التي خلعت برقع الحياء من فرط الجسارة منذ كانت تدرس للحصول على درجتها الجامعية في القانون.. وأصبحت من ثم زوجة شابة لحاكم (محافظ) شاب لولاية نائية شبه مجهولة اسمها «أركنسو». أما المحافظ فكان اسمه «بيل كلينتون».

.. ثانياً: صوّروها وقد أصبحت زوجة رئيس الجمهورية على مدار التسعينات المنصرمة على أنها «الزوجة المسيسة» القادمة – إلى البيت الأبيض من الولاية الريفية ولكنها ظلت تحيك المؤامرات وراء الأبواب المغلقة في المقر الرئاسي المذكور.

.. ثالثاً: صوّروها – وهذه، بالمناسبة صورتها الأخيرة والراهنة أيضاً على أنها، كما يضيف المقال الذي نحيل إليه، «مليونيرة النخبة» التي ترتاد صالونات علية القوم في مدينة «نيويورك» وأيضاً في أرجاء الشمال من المدينة المذكورة حيث يسكن أهل الصفوة من المليارديرات ومَن في حكمهم إلى حد بعيد.

صناعة الأكواخ

ومن الطريف أن تستخدم كاتبة المقال تعبيراً قد يترجَم حرفياً على أنه «صناعة الأكواخ» وهو يشير في القاموس العامي الأمريكاني إلى ضروب النشاط المحلي وكأنما لتقول إن ثمة محاولات شعبية – محلية بدأت تشن هجوماتها على «هيلاري كلينتون» رافعةً في ذلك شعارات من قبيل «أوقفوا هيلاري».. أو «واجهوها بكلمة لا»، أو «اهزموها».. إلى آخر ما يحفل به الموقع الإلكتروني الذي أنشأه المنافسون الجمهوريون مؤخراً، وما برحوا يركزون فيه على تنامي ثروة «هيلاري» كي يقطعوا عليها طريق الحديث عن تبنيها مصالح الفقراء ومشاكل البسطاء.

الكاتبة الأمريكية لا تنسى في هذا السياق أن تُلمح أيضاً إلى أن كثيراً من هذه الانتقادات المُشهرة في وجه «هيلاري كلينتون» إنما تصدر في واقع الأمر عن شعور دفين لا يريد نقّادها ومهاجموها الإفصاح عنه، ويتمثل هذا الشعور في رفضهم ترشيح – ناهيك عن - اختيار سيدة.. بمعنى امرأة لتصبح رئيسة، أول رئيسة للدولة الأمريكية.. وطبعاً برغم ما يزدحم به المجال العام هناك بشعارات ودعوات من أجل إنصاف المرأة.. ومساواة الجنسين ومحاربة الفصل والتمييز على أساس نوع الجنس.. إلى آخر ما تحفل به ميديا الحياة الأمريكية من دعوات وشعارات.

تحديات وعقبات تعوق مسيرة التنمية

حكاية النمو الناعم في الصين


من إيجابيات النظام الحاكم حالياً في «الصين» أن القائمين على أمره، لم يتملكهم طائف الغرور إزاء كل ما يحيط بتقدم الصين في مجالات التصنيع أو الإنتاج أو التصدير أو حتى حيازة أكبر رصيد – كما يقول الخبراء الاختصاصيون - من العملات الأجنبية.. كل هذا صحيح لأنه يستند إلى إحصاءات موثوقة، وإلى أرقام وحقائق تشهد بها المنظومات العالمية والإقليمية على السواء.

لي كبيانغ

لكن هذا كله لم يَحُل بين «لي كبيانغ» رئيس وزراء الصين وبين مصارحة مواطنيه - في خطاب ألقاه في مستهل شهر مارس الحالي - بأنه مازال يتوجّب على بلده - بلدهم بأن يتخطى العديد من عوامل السلب والاختلال التي لاتزال تشوب الاقتصاد الصيني، إضافة إلى افلتصدي لما وصفه المسؤول الصيني الكبير بأنه العقبات التي تعوق المشروع الخاص من أجل تحقيق عنصر الاستمرار أو التواصل لما وصفه «كبيانغ» أيضاً بأنه معدلات النمو الصحي للاقتصاد الصيني.

لم تكن كلمات وأفكار رئيس الوزراء مجرد شعارات في خطبة عصماء، ولكن كانت تضمها سطور التقرير المهّم المقدم إلى «مؤتمر الشعب الوطني» في العاصمة «بيجين» - كونغرس الصين كما قد نسميه، وهو مؤتمر الحزب الحاكم هناك الذي يلتئم عقده سنوياً ويقدم إليه رئيس وزراء البلاد تقريراً يحمل العنوان التالي: تقرير حالة الدولة.

مسيرة صعبة

مراقبو الشأن الصيني لاحظوا أن تقرير رئيس وزرائها عمد إلى تخفيض معدل النمو المستهدف للاقتصاد إلى نسبة 7 في المائة تقريباً، فضلاً عما احتواه تقريره من إشارات لها دلالتها البليغة في تصورنا، وهي تومئ إلى إيلاء المزيد من الاهتمام من جانب الدولة والحزب الحاكم إلى نشاط قطاع خاص قوي وكفء وقادر على خلق فرص للعمل وتبني وتشجيع عناصر الابتكار والتجديد، والتحول بدفة اقتصاد الصين من الاعتماد على الاستثمارات الحكومية في مجال البنى والهياكل الأساسية والصناعات الثقيلة والصادرات رخيصة الأسعار.

مرة أخرى يصارح رئيس الوزراء أعضاء التجمّع البرلماني المذكور بأن المسيرة لن تكون هيّنة، وأن التحولات لن تكون سهلة بحال من الأحوال، بل سوف تواجه تحديات سيكون المطلوب التصدي لها بكل مقياس.

المنعطف الجديد

وفي هذا السياق يقول «لي كبيانغ» ما يلي:

لقد دخلت التنمية الاقتصادية للصين في منعطف جديد حيث باتت تصادف على الطريق نموراً متوحشة على شكل تحديات وعقبات تعوق المسيرة. وبغير تعميق جهود الإصلاح والأخذ بالمطلوب من إجراءات التكيف والتواؤم والتعديل في الهياكل الاقتصادية، فلسوف يصعب على بلدنا أن يحافظ على مسيرته على طريق التنمية المستدامة والسليمة.

لقد استمع إلى هذا الخطاب نحو ثلاثة آلاف من أعضاء مؤتمر الشعب الصيني. وبديهي أن كان في حسبانهم جميعاً مهمة المواصلة على طريق النمو من أجل تحسين نوعية الحياة لسكان بلدهم البالغ عددهم نحو 1.3 مليار مواطن، وهو ما دفع رئيس حكومتهم إلى إطلاق وعود يدرك بالطبع مسؤوليتها، وتقضي كما يرصد المراقبون بما يلي: زيادة 10 ملايين فرصة عمل في المناطق الحضرية + رفع مبالغ المعاش التقاعدي بنسبة 10 في المائة + بناء 7.4 ملايين وحدة من المساكن المدعومة من جانب الحكومة فضلاً عن إنشاء وتعبيد شبكة من السكك الحديدية على طول نحو خمسة آلاف من الأميال.

النمو الناعم

في كل حال، يري مراقبو الشأن الصيني في السياسات المطروحة مؤخراً، وخاصة ما يتعلق بالتوجه إلى تشجيع القطاع الخاص داخلياً أو خارجياً – تحولات في سياسة الحزب والحكومة في البلد الآسيوي الكبير إلى ما أصبح يطلق عليه الخبراء الوصف المستجد التالي:

النمو الناعم (على وزن القوى الناعمة بطبيعة الحال).
 

 

مثلث التراجيديا في أميركا الوسطى

أميركا الوسطى هي شبه القارة، الفاصل جغرافياً بين قارتي أميركا الشمالية (وتضم كلاً من كندا في الشمال والمكسيك إلى الجنوب وبينهما بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية) وأميركا الجنوبية الموصوفة أيضاً بأنها «اللاتينية» في إشارة إلى تراثها الناطق في أغلبه بلغة متفرعة عن اللاتينية – الأم وهي اللغة الإسبانية.

تجمع «أميركا الوسطى» بين الإطلالة على سواحل المحيط الأطلسي وسواحل البحر الكاريبي. وتتميز بوجود عدد من الدول صغيرة الحجم ومنها مثلاً «كوستاريكا» و«هندوراس».. فيما تضم المنطقة أيضاً عدداً من الدول المعروفة في المعجم السياسي الدولي للأمم المتحدة بأنها «الدول الجزرية الصغيرة النامية»، وفي مقدمة هذه الكيانات بل وأشهرها جزيرة «كوبا» التي ظلت تعاني حصاراً من الجارة الأمريكية الكبرى منذ الفترة 1959- 1960 إلى أن جاءها الفَرَج بالتفاهم مع «واشنطن» في الأشهر الأخيرة من عام 2014 فقط لا غير.

والمهم أن مقادير وحقائق الجوار الجغرافي مازالت ترتبط من حيث المصائر والمآلات بين أميركا وبين الربوع البرية والأصقاع الجزرية – البحرية في منطقة أميركا الوسطى.

وقد سبق خلال الحرب العالمية الثانية أن ذاعت شهرة المناطق البحرية المحدقة بواحدة من الجزر بسبب ما شهدته من حوادث كارثية تمثلت في غرق السفن أو سقوط الطائرات. وبصرف النظر عن الأسباب إلا أن المنطقة حملت وصف «مثلث بِرمودا» على نحو ما أمعنت في توصيفه وتجسيده كتابات الأمريكان وأفلام هوليوود.

عالم الجريمة في المناطق «اللاتينية» الفقيرة

منطقة أميركا الوسطى بدأت مؤخراً تتصدر الدراسات والتحليلات الصادرة. ها هي مجلة الوقائع (Current History) كما قد نسميها – على عادتنا - تُخصص عددها الصادر لشهر فبراير الماضي لدراسة شؤون قارة أميركا اللاتينية وشجونها.. ويتصدر هذا العدد دراسة بقلم باحث متخصص هو «جوسيه ميغيل كروز» تحت عنوان : «الأسباب الجذرية لأزمة أميركا الوسطى».

والدراسة ترصد وتحلل المآسي التي باتت تتعرض لها المنطقة الفقيرة المذكورة على يد عصابات الإرهاب واللصوصية والعنف الإجرامي المسلح المنتشر بين ربوعها، ومنها ما لا يتورع عن ممارسة هذا الإرهاب بين عائلات وسكان المنطقة من أجل تجنيد المراهقين والمراهقات من أبنائها وبناتها - بقصد استخدامهم في تجارة المخدرات أو في أغراض تجارة الجنس الحرام أو في جرائم السرقة.

في هذا الصدد توضّح الدراسة أن المنطقة أصبحت بإزاء مثلث جديد يطلقون عليه اسم «المثلث الشمالي» الذي يشّكل كما يقول البروفيسور «خوسيه» عنقوداً جغرافياً يتألف من 3 دول هي غواتيمالا والسلفادور وهندوراس، وهي الدول التي تصفها الدراسة بأنها ليست فقيرة وحسب، بل إنها محاصرة بأعلى مستويات العنف الإجرامي في العالم حيث تقول دوائر الأمم المتحدة بأن المنطقة المذكورة شهدت على مدار العقد المنصرم معدلات خطيرة من حالات القتل زادت على 40 جريمة قتل لكل 100 ألف من السكان، بل وصلت المعدلات في بلد صغير مثل «هندوراس» إلى 80 حالة قتل لكل 100 ألف من السكان منذ عام 2011.