جريمة »شارلي ايبدو« ترددت أصداؤها في طول عالمنا وعرضه، وخاصة من خلال ردود الفعل التي حملت العديد من الزعماء والرؤساء والوزراء والمسؤولين في العالم إلى مسيرة باريس تحت شعار التضامن مع الشعب الفرنسي ضد الارهاب. وكان طبيعيا ان تتباين المواقف والتعليقات بل ويتراوح بعضها بين التحذيرات والتهديدات.

لكن يلفت النظر في غمار مثل هذه الدوامات أن يحاول البعض التقاط أنفاس الهدوء ويبدأ بأن »يعدّ العشرة« كما يقول المثل السائر قبل ان يشرع في تحليل الحدث المرفوض بكل الاساليب ثم في تناول موضوعي لأبعاده ومراميه وعواقبه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

مقال موضوعي

من هنا جاءت على سبيل المثال مقالة »الغارديان« البريطانية بعنوان واعد بقدر ما كان رصيناً أو موضوعيا وتقول عباراته بما يلي: ».. شارلي ايبدو: حان الوقت لمساندة الحريات وليس للاستسلام للخوف..«.

ثم يمضي نفس العنوان ليردف عبارات اخرى هي:

- .. يستطيع الإرهابيون أن يقتلوا.. ولكنهم لا يستطيعون الإطاحة بالحكومات.. وعلينا أن لا نقدم لهم النصر بأن نتعامل مع المذبحة على أنها عمل من أعمال الحرب.

بعدها يطرح كاتب المقال وهو »سيمون جنكنز« سؤالاً بديهياً يقول فيه:

- عندما يُرتكب أي فعل سياسي شائن يصبح السؤال المعقول هو:

.. ماذا يريد الجاني.. وما هي الاستجابة التي يسعى اليها؟

الإرهاب والغرب

بعدها يمضي كاتب »الغارديان« متقصياً بذور أو جذور ما يصفه بأنه المشاعر- الأفكار- او الطروحات الاصولية التي شهدتها العقود الاخيرة من القرن العشرين، ومنها ما تبنته حركات عديدة في العالم الاسلامي ورفعت من خلالها شعارات شتى ما بين الخلافة الاسلامية إلى دعوات الاطاحة بالنظم التي وصفوها بأنها غير الدينية..

 ومع ذلك فقد ظلت هذه الحركات والدعوات كما يضيف الكاتب الانجليزي- محصورة ضمن المنطقة (الشرق الاوسط) فيما كان التهديد الموجَّه ضد الغرب محصورا ضمن خطوط لا يؤبه بها.. وهو ما جعل هجوم القاعدة ضد اميركا في عام 2001 أمرا استثنائيا.. يقصد إلى تخويف اميركا ودفعها إلى ردود فعل هستيرية رغم تلقيها النصح.

ردود الفعل

ذ اب 11 . 3 .. ..

هنا يصل مقال »الغارديان« إلى الحدث الفرنسي الذي شهده الأمس القريب حيث يضيف الكاتب الانجليزي قائلا:

- إن الارهابيين الفرنسيين ينشدون استجابة فرنسية مماثلة.. يريدون دولة تجسس واستراق للسمع وقوانين تضيف الجديد إلى أجندة اللاحرية.

إعلان حرب

أخيرا يخلص الكاتب المذكور إلى القول بأنه لا ينظر إلى مثل هذه الجرائم على انها اعلان حرب (ومن ثم تقتضي إجراءات قمعية أو مصادرة للحريات.. الخ) سوى الدول التي يصفها من جانبه بأنها الدول المستضعفة او الدول الفاشلة..

ويؤكد في هذا السياق بالذات ان بريطانيا لم تكن بعيدة في يوم من الايام عن أعمال العنف فكم شهدت لندن خلال القرن العشرين حوادث القنابل التي زرعتها عناصر شتى ما بين الفوضيين (اناركست) إلى جماعات »شن فن« إلى »القوميين الإيرلنديين« وغيرهم.. وفي كل حال.. فالمطلوب ألا تتعامل الدول والشعوب مع الإرهاب حسب شروطه التي يطرحها..

واول خطوات هذا النهج السليم هو ان ترفض الحكومات الاستسلام للرعب او الترهيب.. ليس معنى ذلك الا نظهر الخوف او الخشية بل معناه الا نبالغ في هذا الشعور بالخوف ولا نلجأ- يؤكد الكاتب »سيمون جنكنز« أخيرا- إلى منطق التهويل الاعلامي في أعقاب ما يحدث.. وبهذا نحرم الجناة من حالة الرضا عما يفعلون.