خلال الاحتفالات التي اقيمت وسط غوائل البرد القارس وعواصف الصقيع الجليدي القادمة من الشمال.. حيث التندرا- الصحاري الثلجية المنبسطة عبر ربوع سيبيريا- لم يفت الروس، على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم ومستويات تعليمهم، ان يضيفوا إلى استقبال العام الجديد والى آليات التعامل مع المشاكل السياسية والازمات الاقتصادية، لمسات من الفلسفة المستمدة كما نتصور- من الوعي بعبرة الماضي ودروس التاريخ.

الحكام والزمن

في هذا الاطار يسجل الكاتب الروسي »ماكسيم ترودوليبوف« خواطره حول اطلالة روسيا- بوتين على هذا العام الجديد: يصنّف حكام روسيا- في العصر الحديث او القريب- الي فئتين: فئة الحكام الذين حاولوا تجميد الزمن، ومنهم مثلا القيصر »نيقولا الاول« الذي حَكَم حتى منتصف القرن 19 وأفضى حكمه البيروقراطي إلى اندلاع حرب القرم في عام 1853 ..

والثاني هو »ليونيد بريجنيف« الذي أدى طول حكمه وتقدمه في السن على مدار الستينات حتى مطلع الثمانينات إلى تجميد مسيرة الاتحاد السوفيتي لدرجة افضت إلى انهيار وزوال الدولة السوفيتية مع مطالع تسعينات القرن العشرين. اما الفئة الثانية ويسميها الكاتب الروسي بفئة الذين ارادوا التعجيل بدورة الزمن فيُدرج في خانتها كلا من القيصر »بطرس الاكبر« الذي حكم حتي الربع الاول من القرن الثامن عشر وينسب اليه الفضل في تحديث روسيا على النسق الغرب- اوروبي.. ثم يضاف اليه في القرن العشرين »نيكيتا خروشوف« الذي انهى حقبة الجمود الستالينية مبشرا بما كان يصفه بانه التعايش السلمي.. الخ

اين يقع بوتين؟

في هذا الاطار يخلص المحلل الروسي إلى ان نموذج الرئيس الروسي الحالي »فلاديمير بوتين« انما »يتحدى الفئتين على السواء« مضيفا ان احساس »بوتين« بالزمن مرتبط بقدرة الرجل على تحريك مسار الوقت او فلنقل ادارة عجلة الاحداث لصالحه من جهة، وطبقا للظروف والمتغيرات السياسية في بلاده من جهة اخرى.

ثم ان »بوتين« يضيف المحلل الروسي- جاء إلى السلطة الاولى في بلاده ومن خلفه تراث يكاد يكّرس الحكم في يد رئيس الدولة، سواء كان جالسا على عرش القياصرة في بطرسبورغ، او كان هو الرجل الاول في زعامة الحزب الشيوعي الحاكم داخل الكرملين في موسكو- دون تحديد لفترات زمنية معينة لاستمرار مقاليد الحكم، يستوي في ذلك القيصر او الرئيس على السواء.

ومعظم من حكموا روسيا قبل ثورة 1917 (البلشفية بزعامة لينين) حانت لحظة نهاياتهم وهم جالسون على عرش »ال رومانوف«.. ومنهم من اغتيل ومنهم من اطيح به ومنهم من رحل عن الدنيا كما يرحل سائر خلق الله. بل يصدق الامر نفسه على الزعماء الشيوعيين ممن ظلوا قابضين على زمام السلطة حتى رحلة الرحيل الابدي، باستثناء كل من »خروشوف« و»غورباتشوف«.

دراسة

أما على صعيد روسيا- الان فمازالت المشاكل تعوق مسيرة الاصلاحات التي يقودها رئيسها »بوتين«. وهنا تشير المقالة التي نحيل اليها، إلى احدث دراسة نشرتها مجلة السياسة الخارجية (فورين افيرز) وعمد فيها كاتباها إلى تقسيم الاصلاحات التي شهدتها دول ما بعد الكتلة، او الحقبة السوفيتية (وهي دول المعسكر الشرقي السابق وجمهوريات البلطيق) إلى فئات ثلاث حملت التوصيفات التالية: راديكالي تدريجي بطئ.

وقد خلصت الدراسة المذكورة إلى انه كلما تسارعت خطى الاصلاح (الراديكالي) خفّت حدة الازمات والمشاكل الاقتصادية. وفي حالة التدرج شهدت الدراسة المذكورة بأنها اوصلت في نهاية المطاف إلى اللحاق بمسيرة الاصلاحات الراديكالية بمعنى الجذرية والناجزة.

منظومة قديمة

لكن مشكلة روسيا تتمثل، برأي الدراسة المنشورة في الدورية الامريكية، في التأخر في اصلاح البِني والهياكل القضائية والتشريعية وخاصة ما يتعلق بتطبيق وانفاذ القوانين وهو امر لايزال الكرملين يؤجله من حين إلى حين، مما يؤدي بداهة إلى الابقاء على منظومة قانونية وقضائية لاتزال موروثة حتى لا نقول متخلفة- عن الحقبة الشيوعية التي ينبغي تجاوز ما كانت تحفل به من بقايا ومواريث.

ومن هنا تنّبه الدراسة الى اهمية العمل على وجود وتعبئة قوي صاحبة مصلحة في تفعيل الاصلاحات وفي ديناميات التغيير وفي رفض الابقاء على الاوضاع الموروثة عن مراحل سبقت في سجل الزمان.