وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنّان كل الظنّ.. أن لا تلاقيا بيت من الشعر العربي المتواتر - يتردد كلما شاءت الأقدار أن يلتقي الأفراد والأنداد بعد طول فراق.

وقد التقى الشتيتان في الأيام القليلة الماضية وهما أمريكا وكوبا على وجه التحديد. وعُمر الشُقة أو المسافة الزمنية التي باعدت بينهما بلغ الخمسين عاماً بل ويزيد.

حركة تمرد

بدأت الجفوة السياسية في عهد الجنرال دوايت أيزنهاور الرئيس رقم 34 في مسلسل قادة الولايات المتحدة.. كان ذلك تحديداً في عام 1959 حين فوجئت الإدارة الأمريكية في واشنطن بقيام حركة تمرد أطاحت رئيس كوبا وقتها وكان اسمه باتستا وقادتها مجموعة من شباب تلك الجزيرة الناطقة بالإسبانية والواقعة في مياه البحر الكاريبي بين أصقاع أمريكا الوسطى الفاصلة بين الولايات المتحدة شمالاً وقارة أمريكا اللاتينية إلى جهة الجنوب.

قبلها وعلى مدار سنوات وعقود ظلت جزيرة كوبا أقرب إلى المنتجع الذي يقصده رجال الأعمال وأصحاب الملايين وكبار المتنفذين من أمريكا لقضاء أوقات لاهية وأيام ممتعة. حيث ألعاب القمار وفنون التسلية فضلاً عن إمكانية التهرب من الضرائب بطبيعة الحال.

ثورة كوبا

ضاعت هذه الفرص كلها حين أقدم فيديل كاسترو ورفاقه من شباب المنطقة على قيادة ثورة كوبا والإمساك بمقاليد الأمور في هافانا وإعلانها في تلك الأيام موئلاً لدولة يسارية بل ماركسية ومن ثم موطئ قدم للاتحاد السوفييتي الغريم المنافس للولايات المتحدة في تلك الفترة التي كانت تعيش ذروة الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب.

وقتها سارع أيزنهاور إلى فرض الحصار على الجزيرة الكاريبية المشاغبة. أعقبه ون كينيدي مع مطلع ستينات القرن حين استعد لاجتياح الجزيرة فكان أن مُنيت القوات الأمريكية بهزيمة مشهودة فيما يعرف في التاريخ المعاصر باسم غزوة خليج الخنازير.

الحصار

ثم عاشت كوبا وشاركت في نضالات حركة العالم الثالث وحركة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز. وتعززت سمعتها إذ ارتبط نضالها باسم تشي يفارا الزعيم اللاتيني الشاب الذي أصبح ولايزال رمزاً للكفاح الثوري في أنحاء العالم.

وظلت مشكلة حصار أمريكا المفروض على كوبا تمثل بنداً مدرجاً باستمرار في جدول الأعمال السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة تحت عنوان يقول بالحرف: ضرورة إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الولايات المتحدة علي كوبا...

مفاجآت أوباما

ولأن دوام الحال من المحال وخاصة في عوالم السياسة والمصالح والعلاقات الدولية. فقد حلت الأيام القليلة الماضية من شهر ديسمبر الحالي. لتكشف أولاً عن مفاوضات سرية كانت تجريها إدارة أوباما مع الأطراف الكوبية. وبدلاً من أن يتبع البيت الرئاسي الأبيض نهج التدرج في تدفئة أو تسخين العلاقات بين واشنطن وهافانا. أو فلنقل في انتهاج سبيل التمهيد أو التهيئة لإزالة الجفوة طويلة الأمد بين الطرفين.

اختار الرئيس أوباما على نحو ما لاحظت دوائر السياسة والإعلام في أمريكا سبيل المفاجأة حين أعلن عما وصفته الميديا الأمريكية بأنه تغييرات كاسحة من أجل تطبيع العلاقات بين الطرفين، وكانت تلك بمثابة خطوة جسورة حسب تعبير نيويورك تايمز أيضاً - جاءت بمثابة خاتمة لواحد من أشد الفصول البارزة في سجل السياسة الخارجية الأمريكية.

وقد عمد أوباما إلى تبرير هذه الخطوة غير المسبوقة في تصريح قال فيه:

- إن هذه السنوات الخمسين أوضحت أن العزلة لا تجدي فتيلاً. وأنه قد حان الوقت لاتباع نهج جديد.

فن التعايش

من جانبه أدلى رئيس كوبا راؤول كاسترو (وهو شقيق زعيم ثورتها الرفيق فيديل كم يسميه الكوبيون) بتصريح قال فيه:

- علينا أن نتعلم فنّ التعايش مع خلافاتنا ولكن بطريقة متحضرة..

وبديهي أن تثور خلافات واعتراضات على خطوة تطبيع العلاقات. سواء على صعيد الطرف الأمريكاني. أو الطرف الكوبي. لكن التوقعات تفيد بأن الكونغرس الأمريكي سوف يقر هذه الخطوة بل ويستكملها وصولاً إلى علاقات صحية أكثر. والمهم أن ثمة إجماعاً، أو ما نسميه شبه الإجماع من جانب المراقبين السياسيين وملخصه ما يلي:

.. إن التاريخ كفيل بأن يثبت أن أوباما كان على حق في كل حال.