رغم التراجع الذي اعترى أخيراً أسعار البترول في العالم. وهو ما ارتبط بداهة بمشاعر سلبية راودت جمهرة الاقتصاديين والسياسيين على السواء، إلا أن الانخفاض المذكور في الأسعار ما لبث أن أسعف الرئيس الروسي بوتين حين بادر إلى استخدامه مبرراً لحالة الانحسار التي ألمت أخيراً بأحوال الاقتصاد في الاتحاد الروسي.

اختبار لروسيا

جاء ذلك في سياق الخطاب المشهود والمسهب الذي ألقاه بوتين يوم الخميس، 18 / 12 في موسكو، واستغرق ثلاث ساعات، وضم رئيس روسيا ومعه تجمع حاشد ضم أكثر من 1200 صحفي من بلاده ومن أنحاء شتى من العالم، حيث عرض بوتين في سياق الخطاب أبعاد الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجه موسكو قائلاً بغير مواربة:

- نحن نجتاز محك اختبار، وهو فترة صعبة خلال هذه المرحلة. وأنا لن أطلق عليها من جانبي وصف الأزمة. ولكم أن تصفوها كما تشاؤون.

ثقة الرئيس

في هذا الإطار عرض بوتين تراجع سعر الروبل العملة الروسية الرسمية، وهو ما أدى إلى شعور بالقلق في أوساط المستثمرين. وإن كان رجل الكرملين القوي قد عمد في مؤتمره الصحفي الذي ذكرناه، إلى أن يبدو واثقاً بنفسه. بعيداً عن روح، أو موقف، أو شعور التوتر المعهود في سلوكيات كبار السياسيين وقت وقوع الأزمات. ولدرجة أن بدا بوتين منفرج الأسارير في بعض الأحيان.

في هذا السياق. أشار الزعيم الروسي إلى أن البنك المركزي والحكومة في بلاده يبذلان جهوداً دؤوبة ويتخذان التدابير الملائمة لمواجهة الأزمة المالية - الاقتصادية المحدقة بروسيا.

هنالك لاحظ المراقبون أيضاً أن بوتين لم يتملكه الحماس لدرجة أن يطلق مثلاً الوعود بأن الأزمة في طريقها إلى حلول وشيكة وناجعة وناجزة كما قد يقال.

تراجع النفط

عمد الرجل إلى حديث مطول عن حلول كفيلة بتفكيك الأزمة ولكنها تستغرق فترة سنتين تستطيع روسيا بعدهما أن تخرج من وطأة ما تواجهه من مشاكل، خاصة في ضوء ما ظل يحيل الزعيم الروسي إليه من عواقب التراجع في أسعار البترول من ناحية، ومن النتائج الصعبة الناجمة عن العقوبات المفروضة على روسيا بسبب مواقفها في أوكرانيا من ناحية أخرى.

أسباب الأزمة

من هنا يعزو المحللون أبعاد الأزمة الراهنة وهو ما ألمح إليه بوتين أيضاً إلى عوامل متعددة يمكن تلخيصها بإيجاز شديد على النحو التالي:

.. تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وخاصة في الصين وانخفاض أسعار البترول على الصعيد العالمي، وهو ما قد يرجع أولاً إلى تزايد الإنتاج في أمريكا الشمالية، ثم إلى استخدام مصادر عديدة بديلة عن النفط في إطار الاستجابة إزاء مشاكل وتهديدات تغير المناخ الكوكبي.

تحذيرات

من أفراد الحشد الإعلامي الذي ذكرناه من توقف ملياً عند نبرة الثقة التي كانت تصدر عن بوتين خلال أحاديثه التي كان يدلي بها من فوق مسرح صغير - كما يقول المراسل الصحفي الأمريكي نيل ماكفار كوهار في أحد فنادق العاصمة موسكو..

 خاصة وأن الرجل بدا معتمداً على شعبيته التي يتمتع بها بين صفوف الجماهير في بلاده إلا أن محللي الاقتصاد الروسي لايزالون يحذّرون من احتمالات تراجع تصاب به مسيرة هذا الاقتصاد مع حلول العام القادم، خاصة ما يتعلق بآفة التضخم الذي وصل فعلاً في روسيا إلى معدل 10 في المائة كما تقول الإحصاءات..

وهو ما دفع حشود هذه الجماهير الروسية إلى ما وصفه المراقبون بأنه اجتياح المولات - الأسواق المركزية لشراء احتياجات للحاضر والمستقبل تحسباً لمزيد من تراجع آخر في سعر صرف الروبل في مستقبل الأيام.

العقوبات

وفيما اعترف بوتين بأن نسبة 25 في المائة من المشاكل الاقتصادية إنما ترجع إلى العقوبات التي فرضتها أوروبا وأمريكا على بلاده بعد قيامها بضم شبه جزيرة القرم، إلا أنه اعترف - وهو ما يحسب له في التحليل الأخير - بأن موسكو لم تبذل ما يكفي من الجهود من أجل تنويع مسارات اقتصادها الذي مازالت مصادر الطاقة تشكل فيه نسبة 60 في المائة من الصادرات الروسية إلى خارج الحدود.