من عيون الأدب العالمي في القرن العشرين رواية بديعة للكاتب اليوغسلافي »إو أندريتش« (1892- 1975) الفائز بجائزة نوبل العالمية في عام 1961 (للرواية ترجمة عربية آية في البلاغة قدمها المفكر السوري الراحل سامي الدروبي) تحمل الرواية المذكورة العنوان التالي: جسر على نهر درينا، هذا العنوان استوحته مؤخراً مجلة »الإيكونومست« البريطانية (عدد 21/11) في أحدث تحليل نشرته لمآلات العلاقة بين أميركا والصين واختارت له عنواناً يقول: جسر على مياه مضطربة.

تحية الضيف

يقف تحليل المجلة الإنجليزية ملّياً عندما أصبح يوصف في معجم الدبلوماسية والعلاقات الدولية بعبارة »لغة الجسد« حيث يركز المراقبون السياسيون علي حركات وإشارات وسكنات وإيماءات رجال السياسة وقادة الدول عند لقاءتهم في محاولة للتفسير والاستنتاج.

 وهذا ما فعلوه بالضبط بالنسبة للقاء الرئيس الأمريكي »أوباما« في منتصف نوفمبر مع الرئيس الصيني »سي جنبنغ«. كانت المناسبة هي انعقاد قمة التعاون بين دول آسيا والميحط الهادي التي تعرف اختصاراً باسم »آبيك«.. هنالك وقف رئيس الصين تضيف المطبوعة اللندنية - إلي يمين القاعة موجهاً كل كيانه نحو الكاميرا ومعبراً عن شعور بالقوة والثقة.. من هنا كان مطلوباً من الضيف الزائر أن يقترب حثيثاً من المضيف الصيني كأنما يؤدي له فروض التحية والإكبار. ولم يكن الضيف القادم سوى »باراك أوباما« رئيس الولايات المتحدة.

وربما لم يشعر أي من الزعيمين، أو لم يتعمد أن يكون الموقف على هذا النحو الذي لم يفْت، لا عدسات المصورين ولا ملاحظات المحللين. لكن الشاهد هو أن كان محور لقاء القمة المذكور أعلاه يتمثل في حالة التنافس بين غريمين هما الصين وأميركا.

أميركا والجغرافيا

نفس القراءة في لغة الجسد قام بها المراقبون وهم يرصدون مصافحة بدت طويلة ومن ثم حميمة بين زعيم الصين ورئيس وزراء اليابان »شنزو آبي«، ومنهم من استشف من هذه المصافحة احتمال تخفيف التوتر الذي ظل سائداً في الفترة القريبة الماضية بين »بيجين« و»طوكيو« بسبب النزاع علي جزر منبثة في مياه المحيط الهادئ.

نفس عمليات الرصد السياسي انشغل بها الإعلاميون ومَنْ في حكمهم خلال وقائع المؤتمر الذي يضم أقطار جنوب شرقي آسيا إلي جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي نجح رئيسها الأسبق »بيل كلينتون« في إلحاقها بهذه المجموعة وخاصة منذ أيام النمور الآسيوية الصاعدة، أو التي كانت صاعدة مع أواخر عقد التسعينات فإذا بواشنطن كلينتون وقد »اكتشفت« أنها دولة باسيفيكية في ما يمكن وصفه بأنه كان »صحوة جغرافية« لأن غرب أميركا كما هو معروف يطّل علي مياه المحيط الهادئ.

صحيح أن القمة الأخيرة تدارست قضايا عديدة ما بين الوضع في ميانمار (بورما) غرباً إلي أحوال استراليا (جنوباً) لكن الأصح-علي نحو ما تؤكد »الإيكونومست«- أنْ كان هذا الاستهلال الإيجابي، أو شبه الإيجابي لقمة »الإيباك« لم يكن ليشكل سوى خطوة أولى في سبيل نزع فتيل التوترات التي تفور بها مياه الباسيفيكي وهي ناجمة بدورها عن حقيقة متجلية علي النحو التالي:

الصعود من جانب الصين مع التراجع أو الهبوط من جانب الولايات المتحدة.

باكس أميركانا

توضّح »الإيكونومست« أيضاً كيف عاش العالم لفترة طويلة وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية- ما يمكن وصفه بأنه »باكس أميركانا« بمعنى حالة السلم العالمي تحت الرعاية الأميركية.. ولكن ها هي الحالة المذكورة وقد أسلمت نفسها مؤخراً، وبحكم منطق الأشياء، إلى حالة تتطلب الوصول إلى توازن بين القوى. وفي ظل هذه الحالة تضيف المطبوعة الإنجليزية- يسود شعور بالتنافس والتحفز والترصّد حيث تري الصين أن ثمة مخططات أميركية تتربص بها وتسعى إلى قطع كل المسالك على تقدمها وصعودها سواء من خلال تحالفات تستهدف احتواء حركة الصين أو استخدام منظمات غير حكومية ذات تمويل خارجي من أجل تدمير الحزب الشيوعي الحاكم في بيجين أو تجنيد جواسيس يعملون علي إذكاء لهيب الاحتجاجات، سواء في »هونغ كونغ« أو بين صفوف (مسلمي) الأوغور في منقطة »سيكيانغ«. ووصل الأمر إلى أن كاد يحدث صدام محقق بين نفاثة صينية مقاتلة وبين طائرة استطلاع أميركية، حيث لم يكن بينهما سوي مسافة 20 قدماً فقط لا غير لولا رحمة الأقدار.