كان ذلك منذ مئة عام.. بل وتزيد قليلاً.. بل كان ذلك على وجه التحديد هو يوم 28 يونيو من عام 1914.. اليوم الذي شهد حادثة اغتيال الأرشيدوق »فرديناند« ولي عهد إمبراطورية النمسا والمجر، الشرارة الأولى التي أشعلت لهيب الحرب العالمية الأولى التي دامت حتى عام 1918.

كانت حرباً عالمية أطاحت بالإمبراطوريات التي كانت قائمة في ذلك الزمان. وكان لابد أن تسفر عن إبداعات في الفكر والأدب مازالت باقية، وربما كان في مقدمتها في عالم الشعر، قصيدة الشاعر الإنجليزي »توماس ستيرنز إليوت« بعنوان »الأرض الخراب«، وفي عالم القصة رواية المبدع الأميركي »إرنست همنغواي« بعنوان »وداعاً للسلاح«.

خصصت شهرية: »كرنت هستوري« الأميركية عدد نوفمبر لإحياء هذه المناسبة المئوية، تلك التي دخلت إلى حوليات التاريخ العربي المعاصر تحت مسمي »الحرب العظمي«.. وقد صدر العدد المذكور تحت عنوان »مواريث عام 1914«.

نطالع من هذا العدد كيف يؤكد البروفيسور »ون هورن« أستاذ التاريخ الأوروبي الحديث على أنه رغم ما ألحقته الحرب الأولى من ضربات موجعة للحضارة الأوروبية إلا أن الأمر استغرق آماداً طويلة من الزمن حتي يدرك الأوروبيون أن قارتهم، على خلاف ما كانوا يظنون، ليست مركز العالم.

أما »غلندا سلوغا« أستاذة التاريخ في جامعة »سيدني«، استراليا فتذهب إلى أن من النتائج الإيجابية للحرب العظمى ما جاء متمثلاً في تأكيد وترسيخ الكيان السياسي المستّجد على خارطة العالم ويحمل اسم »الدولة القومية« أو الدولة الوطنية بدلاً من الإمبراطوريات الشاسعة الأرجاء والمترامية الأطراف. وقد تجسدت حقيقة هذه الدول القومية في أن الحرب العظمى التى وضعت أوزارها في عام 1918 ما لبثت أن أفضت إلى قيام منظومة دولية حملت اسم »عصبة الأمم« رغم أنها في جوهرها كانت تجّمعاً للدول القومية المستقلة بطبيعة الحال. والمعروف أن العصبة المذكورة ما لبثت أن أصبحت هي الأم التي تولّدت عنها منظمة الأمم المتحدة في عام 1945.