زمان كان السائد على خارطة العالم هو تكتلات السياسة المستندة في معظمها إلى أسس مذهبية ومقولات عقائدية مستمدة في جوهرها مما سبق وقال به اثنان من أهم مفكري العصر الحديث، أولهما يحمل اسم »آدم سميث« (1723- 1790) في كتابه الشهير »ثروة الأمم« وهو إنجيل الرأسمالية، كما قد نقول، والثاني يحمل اسم »كارل ماركس« (1818- 1883) في كتابه الشهير بدوره »رأس المال« وهو إنجيل الشيوعية، كما قد نقول أيضاً. أيامها - وحتى الربع الأخير تقريباً من القرن العشرين - كانت المسألة من أبسط ما يكون: العالم منقسم رياضياً إلى شطرين.. شرق شيوعي وغرب رأسمالي.
بعيداً عن الشعارات
لكن مع متغيرات الزمن أصبح يتعين على العالم أن ينسي أولاً الطروحات المتمسكة بالأيديولوجيا وخاصة بعد سقوط وزوال »الاتحاد السوفييتي« الذي كان يشكل تجسيداً مؤسسياً للفكر الشيوعي.. ثم كان على العالم أن ينزل من علياء المذهبيات إلى أرض واقع الممارسات الاقتصادية المرتبطة بلقمة العيش ورعاية الصحة ورفاه الحياة على مستوى القواعد الشعبية، ومن ثم تغيرت المحكّات التي يتم على أساسها قياس نجاح هذه الدولة أو ذلك النظام بعيداً عن الشعارات والخطابات والأيديولوجيات.
مجموعة بريكس
هنا كان بروز الرفاق الخمسة الذين أطلق »البنك الدولي« عليهم مصطلح »البريكس« المتواتر المعروف وهم البرازيل والصين وروسيا والهند ثم جنوب أفريقيا. وبعدها أصبح هذا المصطلح هذا الاختصار متداولاً على صعيد التحليل الاقتصادي والتناول الإعلامي آية على أقطار منها ما كان يُعد في تصنيف البلدان النامية، فإذا بها تتحول قدماً إلى خانة الاقتصادات الصاعدة أو الواعدة.
ورغم كل هذه الآمال التي كانت معقودة على تلك الاقتصادات الناهضة أو الصاعدة.. فقد سادت الفترات القريبة الماضية وخاصة منذ نشوب الأزمة الاقتصادية في عام 2008 بعض المخاوف والهواجس إزاء قدرة هذه الاقتصادات على الصمود والاستمرار.
الخمسة المستضعفون
بل سادت الأشهر الستة الأخيرة مخاوف على نحو ما يقول المحلل الأميركي »لاندون توماس« إزاء خطر قد تتعرض له هذه الاقتصادات الناشئة بالإضافة إلى اقتصادات تجري على نسقها (اقتصاد تركيا مثلاً) حيث كان الخطر يتمثل في مشكلات عاتية يمكن أن تواجهها الدول المذكورة من جراء ما يحدث من انهيارات في تجارة وتناول السلع وأسواق الأوراق المالية وما في حكمها ولدرجة أن ظهر في الساحة الدولية مصطلح مستجد وهو: الخمسة المستضعفون
ويصدق هذا الوصف على خمسة نظم اقتصادية تتبع كلاً من الهند + أندونيسيا + البرازيل + تركيا ثم إلى حد ما.. جنوب أفريقيا.
ورغم ما سبق من إطلاق وصف »الهشاشة« على هذه الاقتصادات، إلا أن كبرى المؤسسات الاقتصادية في الولايات المتحدة بالذات عادت لتصنّف هذه الاقتصادات الهشة سابقاً- هؤلاء »الخمسة المستضعفين« - ضمن أفضل عشرة أسواق في العالم فيما يتعلق بالنشاط والدينامية والعائدات الربحية على السواء.
عوامل سلبية
يوضح »لاندون توماس« (مقال في النيويورك تايمز) أن النصف المنقضي من عام 2014 الحالي جاء ليشكل علامة على إنجازات حققتها الاقتصادات الهشة سابقاً - وهو ما بدّد كثيراً من سحب المخاوف التي كانت تراود محللي الاقتصاد الدولي، خاصة في ضوء عوامل سلبية كانت تصيب تلك الاقتصادات: تذبذب في أسعار العملة الوطنية + انخفاض مستويات النمو المتحقق + عدم استقرار الأوضاع السياسية.
في هذا المضمار يشير الخبراء إلى أن بلداً آسيوياً مثل »أندونيسيا« يمكن تصنيفه في المرتبة رقم واحد في قائمة تلك الأسواق الدينامية الواعدة، حيث بلغ العائد من النشاط الاستثماري المتداول نسبة 30 في المائة، فيما بلغت النسبة المضاهية في أسواق »الهند« 20.4 في المائة وتلتها في هذا النجاح »البرازيل« التي حققت أسواقها نسبة عائد بلغت أخيراً 15.2 في المائة.
تدفق الاستثمارات
والحاصل يضيف الخبراء على نحو ما ينقل تقرير »التايمز« - أن مستثمري الأوراق المالية من أسهم وسندات دفعوا إلى تلك الأسواق الناشئة أو الصاعدة تدفقات تقدّر بأكثر من 120 مليار دولار منذ شهر يناير من العام الحالي، وهو ما أكدته بيانات مؤسسة دولية موثوقة في هذا الصدد هي »معهد المالية الدولية«.
. الذي حرص في الوقت نفسه على الربط بين هذه الدينامية في أسواق المال وبين ما شهدته تلك الأقطار، وخاصة أندونيسيا والهند، من تطورات سياسية إيجابية وبالذات انتخابات رئاسية أدت إلى إبعاد مواريث »الحرس القديم« ولصالح قيادات رئاسية جديدة في كل من »جاكارتا« و»نيودلهي«.
