اسمها الشائع هو »منطقة اليورو« (يورو- زون). ومنذ توقيع معاهدة »ماستريخت« الشهيرة وتشييد البنيان الذي حمل مع مطالع التسعينات الماضية اسم »الاتحاد الأوروبي« ثم اعتماد »اليورو« عملة له ارتفعت بورصة التوقعات، وكلها كانت تتطلع إلى ربيع اقتصادي تنعم به تلك الأقطار التي انضوت تحت لواء الكيان الاتحادي المذكور، الذي يسجل في صالحه حقيقة لابد وأن يتعلمها أهل التجارب أو فلنقل أصحاب التطلعات الأحلام في مناطق أخرى من العالم (ومنها مثلاً منطقتنا العربية).
مخاطر التوحيد
الحقيقة المستوعَبة أو هي الدرس المستفاد يمكن أن يتمثلا فيما يلي: إن عملية- تجربة الوحدة أو قرار التوحيد أمور خطيرة.. أخطر من أن تترك للأحلام مهما كانت وردية. وأخطر من أن تحال إلى إبداعات الفنانين أو اجتهادات الأكاديميين..
وإنما الأهم أن ينشغل بها ويعمل من أجلها أصلاً راسمو السياسات الواقعية وواضعو الاستراتيجيات الشاملة، وتلك التي تصدر أساساً عن فهم واعٍ واستيعاب دقيق لأبعاد الواقع المُعاش على الأرض.. قبل الانطلاق نحو تجارب توحيدية تمس حياة الأفراد والشعوب.. وفي الصميم، كما قد نقول.
قيادات تاريخية
وبديهي أن »الاتحاد الأوروبي« استغرق بناؤه نحو خمسين سنة منذ أن لاحت أدبيات السياسة الوحدوية في أروقة »الكي دورسيه«- الخارجية الفرنسية خلال وزارة »شومان« عند منتصف القرن العشرين ومن ثم نالت هذه الأدبيات السياسية دعماً متواصلاً وزخماً لا يستهان بقدرته من خلال عزم قيادات تاريخية من طراز »شارل ديغول« في فرنسا أو »كونراد أديناور« في ألمانيا..
وهو ما تحّول بالمؤسسة الاتحادية الوليدة، على مدار ستينات القرن الماضي، إلى حيث أسلمت إلى إنشاء »المفوضية الأوروبية« و»السوق الأوروبية المشتركة« مع ما أُنجز في مراحل لاحقة من إنشاء »محكمة العدل الأوروبية« و»البرلمان (الاتحادي) الأوروبي« وصولاً إلى الميدان الاقتصادي الذي خفقت على أسواره رايات »اليورو« عملة أوروبية موحدة وقوية وتحدوها الآمال العراض.
إحصائية من لكسمبورغ
لكن ها هي الآمال وقد واجهتها صعوبات جمة في الآونة الأخيرة خاصة ما أصاب »الاتحاد« وخاصة »منطقة اليورو« من سلبيات وعثرات في الأداء كان في مقدمتها ارتفاع مؤشر البطالة الذي سجل معدلاً منذراً بالخطر في »فرنسا« منذ ربيع العام الحالي..
فما بالنا بوصول حالة البطالة في »إيطاليا« إلى معدلات قياسية على نحو ما يقول الصحافي المتخصص في الاقتصاد »ديد جوللي« في هذا المضمار يحيل الكاتب الصحافي المذكور إلى وكالة »يورستات« المعنية بالدراسة الإحصائية وتتخذ مقرها في »لكسمبورغ« وهي تابعة من واقع اسمها إلى »الاتحاد الأوروبي« نفسه. وقد أفادت تلك الوكالة منذ نحو 4 أشهر بأن كان هناك نحو 26 مليون فرد من مواطني »الاتحاد الأوروبي« بغير عمل عبر دول هذا الاتحاد الثماني والعشرين.
أزمة ثقة
صحيح تضيف الوكالة المذكورة - أن الاقتصاد الأوروبي في عمومه استطاع أن يسترد أنفاسه عند منتصف عام 2013 الماضي بعد أزمة عام 2008 المالية - الاقتصادية التي عانتها »أميركا« ومن ثم أوروبا ودول أخرى في عالمنا إلا أن سوق العمل، كما يؤكد الاختصاصيون ما برحت تعاني مما يوصف بأنه »أزمة ثقة« تسود أو تصيب عدداً من بلدان »منطقة اليورو«.. وتمتد آثارها السلبية إلى حيث تعاني منها عملة اليورو- الأوروبية الموحدة نفسها.
خفض الإنفاق
وصحيح أيضاً أن ردت الدوائر المسؤولة في أوروبا على عقابيل الأزمة بإعلان تدابير التقشف، ومعها إجراءات الانضباط الصارمة بالنسبة للميزانيات القومية (وهو ما فعلته ألمانيا بالذات وباعتبارها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي)، وصحيح أيضاً أن هذه الإجراءات أدت، كما يقول »ديد جوللي« إلى تهدئة الأسواق، إلا أنها أفضت من ناحية أخرى إلى خفض بنود الإنفاق الحكومي ..
وخاصة تلك التي كانت توجَّه بالذات لأغراض الرعاية الاقتصادية الصحية الاجتماعية للطبقات الأدنى في مجتمعات الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال يعاني في بعض أجزائه من ارتفاع منذر بالخطر في معدل البطالة كما في »اليونان«، بينما استطاعت أجزاء أخرى أن تصل بمعدل البطالة إلى أدنى نسبة ممكنة كما في »النمسا« مثلاً التي تشهد، بل نقول »تنعم«، بمعدل بطالة لا يزيد على 4.1 في المائة فقط لا غير.
