اسمه «حقل غروننغن». واضح أن الاسم يرجع في أصوله إلى اشتقاق من اللغات الجرمانية الجذور.. إلى اللغة الهولندية على وجه التحديد. وهو ليس حقلاً في الفضاء الهولندي الذي يجيد زراعة الزهور أو إنتاج النباتات العطرية على نحو ما ظلت تشتهر به «هولندا» – الأراضي الواطئة كما كانت تعرف في الأطالس الكلاسيكية. «غروننغن» حقل أهم من ذلك وأشد خطراً.

هو حقل للغاز الطبيعي. وقد سبق اكتشافه في عام 1959 وظل – كما يقول الكاتب الأميركي المتخصص «ستانلي ريد»- يزود اقتصاديات «هولنــدا» وجاراتها بإمكانات بالغة الضخامة علي امتداد تلك السنوات الخمس والخمسين فيما استمر التعامل معه باعتباره أكبر مصدر في أوروبا للغاز الطبيعي.

شيخوخة الحقل

لكن.. وعند «لكن» هذه يتوقف الكثير من محللي قضايا الطاقة والمتخصصين فيها: لقد لاحظ الدارسون والممارسون أن هذه الفترة الزمنية – نصف قرن ويزيد كما ألمحنا- دخلت بالحقل الغازي المذكور إلى ما يمكن وصفه بأن «مرحلة الكهولة المتداعية وصولاً إلى الشيخوخة».

لقد أدت هذه العقود الخمسة من عمليات استخراج الغاز إلى خفض مستوى الضغط الطبيعي للحقل المذكور، لدرجة أن شهدت السنوات الأخيرة حدوث تحولات جيولوجية وهزات أرضية.. بلغت في عام 2013 الماضي نحواً من 120 هزة فيما وصلت في عام 2014 إلى 40 هزة اتسمت موضوعياً بأنها كانت محدودة ولم ينجم عنها خسائر في الأرواح وإن أدت إلى أضرار واسعة للمباني المحيطة فضلاً عن إشاعة حالة من التخوف بين صفوف السكان المحليين.

الوقود النظيف

وكان طبيعياً أن تخفّ حكومة «أمستردام» إلى حث الشركات البترولية العملاقة المسؤولة عن حقل «غروننغن» على تخفيض إنتاجه من الغاز.

وكان طبيعياً بنفس القدر أن يُشيع هذا الطلب أجواء موازية من القلق في نفوس القائمين على صناعة الطاقة عبر مجالات أوسع نطاقاً وباعتبار أن الحقل المذكور لايزال يتيح ثلث كميات الغاز المنتَج على مستوى «الاتحاد الأوروبي» بأسره وبكل ما يعنيه الغاز الطبيعي من معقوليّة السعر ومن مزايا المصدر الأيسر استخداما والأنظف ناتجاً والأسلم من حيث الانبعاثات الكربونية ضمن سائر أنواع الوقود الأحفوري.

غاز روسيا

يزيد على ذلك أيضاً- كما ينبّه خبراء الطاقة- أن أي تخفيض لإنتاج حقل الغاز الهولندي المذكور معناه مزيد من الأعباء الفادحة التي يعسر على «الاتحاد الأوروبي» أن ينوء بها- وخاصة في ضوء البعد السياسي الراهن الذي يتمثل في حالة التوتر الحاصلة في «أوكرانيا» بوصفها المعبَر الذي تجتازه واردات «الغاز الروسي» الناشئ من فضاءات «سيبيريا الشمالية» القارسة بل المتجمدة والعابر لمناطق الشرق الأوكراني وصولاً إلى تخوم الوسط ثم الغرب من رقعة «الاتحاد الأوروبي».

التحول للصين

عند هذه النقطة بالذات لم يعد يغيب عن ساسة وقيادات أوروبا الموحدة أن ثمة حالة من التخبط يمكن أن تسود واردات الغاز القادم من «روسيا».. حالة من «اللا يقين» على نحو ما يعبر عنه المصطلح المتداول في معاجم الاقتصاد- ويزيد من وطأتها إلى حد الخطورة الجسيمة..

تلك الإشارات – المبادرات التي باتت تصدر مؤخراً عن «الكرملين» الروسي مشيرة إلى، أو مهدِّدة، بتحويل واردات الغاز الروسية نحو زبون، مستهلك آخر.. متعطش إلى هذا المورد الثمين من الطاقة.. والزبون يحمل اسم.. «الصــــــــــــين».

انخفاض الإنتاج

في ضوء هذه الملابسات يقول «جوناثان ستيرن» رئيس برنامج الغاز في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة:

- «لأن حقل الغاز الهولندي كان قادراً على تلبية أي زيادات تطرأ في حالة ارتفاع الطلب علي الغاز.. فإن أي تخفيضات في إنتاجه يمكن أن تؤثر على إمدادات الغاز الطبيعي ومن ثم على أسعاره في السوق الأوروبية.. لدرجة أن بتْنا لا ندري كيف ستؤثر هذه العوامل علينا مع حلول فصل الشتاء المقبل بكل برودته القارسة...».