صحيح أن «الهند» استطاعت أن تنظم انتخابات ديمقراطية وسليمة في الفترة الأخيرة فأدت في رأي الكثيرين إلى تحولات يمكن وصفها بأنها «جذرية» إن لم تكن «تاريخية» بصورة أو بأخرى.
كيف لا وقد شاء الناخبون في شبه القارة الهندية أن يزيحوا أسرة «غاندي» – أحفاد الزعيم «جواهر لال نهرو» وهم قيادات حزب «المؤتمر» العتيد – عن سدّة الحكم في «الهند». وبدلاً من ذلك اختاروا لزعامتها وقيادة مسيرتها في الفترة المقبلة «مودي» باعتباره وجهاً مستجداً على القيادة في «نيودلهي».
وإذا كان بديهياً أن «الهند» – شأن أي دولة أخرى في عالمنا- أدرى ولا شك بأمورها أو بشعابها كما يقول المثل العربي المتواتر – إلا أن أي مراقب للشؤون الهندية الجارية لا يملك سوى أن تراوده هواجس ممضّة من القلق حول الاحتمالات السياسية في «الهند» بشكل عام، وإزاء ما تعرّض له المسلمون الهنود خلال شهر مايو الماضي بشكل خاص.
28 من مسلمي «الهند» كان مصيرهم الاغتيال في غمار ثلاث هجمات تعرضت لها في الآونة الأخيرة عدة قرى وادعة في ولاية «أسام» شمال شرقي شبه الجزيرة الهندية، وكان من بين الضحايا 17 امرأة وثلاثة أطفال: منهم من قضي نحبه قتلاً بالرصاص ومنهم من انتهت حياته وسط الحرائق التي اشتعلت بها منازلهم القروية البسيطة على يد متطرفين بل هم إرهابيون ينتمون، كما تقول الشرطة المحلية.
إلى ما يُسمى بجبهة «بودولاند الديمقراطية القومية» وهي مجموعة تقاتل من أجل ولاية منفصلة فيما يقيم مقاتلوها المتطرفون في معسكرات منصوبة وسط الغابة التي تقع قري الضحايا المساكين من المسلمين على مشارفها.
«البودو» هي جماعة إثنية يضمها تشكيل قبلي وتجمع عشائري متعصب عرقياً وتطالب بولاية مستقلة ولا تجد أمامها سوى سكان المنطقة المساكين من غير «البودو» ومنهم مسلمون كما أسلفنا ثم لا تتردد في ارتكاب جرائمها الشنيعة بحقّهم قتلاً وإحراقاً لزوم إسماع أصواتها المنكرة وإثبات الوجود.
يقول الكاتبان «هاري كومار» و«نيدا نجار» (مقال في النيويورك تايمز) إن «البودو» ظلوا يطالبون باستقلال الولاية رغم أنهم يشكلون أقل من نسبة 30 في المئة من سكانها، وإن كان من المحللين المحليين من يعزو هذا العنف الدموي المسلح إلى أن المسلمين شاءوا أن يعطوا أصواتهم في الانتخابات الأخيرة إلى مرشحين لا ينتمون إلى عشائر البودو وبذلك حقت عليهم للأسف هذه الجرائم الجسيمة من العقاب.
يزيد من خطورة الأحوال أن كثيراً من سكان الولاية الشمالية المذكورة ينحدرون من أصول «بنغالية مسلمة» ولا يتردد خصومهم من «البودو» في اتهامهم بأنهم مهاجرون غير شرعيين جاءوا عبر الحدود من «بنغلاديش».
ورغم أن هؤلاء السكان المسلمين مازالوا يشكلون ثاني أكبر جماعة بين فئات السكان بالمنطقة إلا أن ممتلكاتهم محصورة بحكم الإجراءات القانونية والإدارية ضمن مقاطعات محددة ومع ذلك فلا يزالون ـ كما أسلفنا- هدفاً لمثل هذه الاعتداءات الرهيبة في دوامة هذا التوتر العنيف الناشب لايزال بين البودو والمسلمين وقد سبق أن شهدته تلك الولاية في عام 2012 ثم أدت الصراعات التي اندلعت وقتها إلى سقوط 78 قتيلاً إضافة إلى تشريد 300 ألف مازالوا مقيمين في مخيمات اللجوء ومعسكرات الشقاء.

