محمد الخولي

أخطر ما قد يعتري المشاكل الداخلية أو الصراعات – النزاعات المحلية في أي بلد من عالمنا- هو أن يسقط أو يتداخل الصراع الناشب- وخاصة في أقطار العالم الثالث- النامي أو الآخذ في النمو ناهيك عن المتخلف- في شبكة الصراع الكوكبي أو دوامة الاستقطاب الدولي، ولاسيما بين قطبي «روسيا» و«أميركا».

اليمين المحافظ

هذا هو بالضبط ما يصدق في اللحظات الراهنة على حالة قطر عربي شقيق اسمه: «العــــراق».

وفيما أرجع عدد من المراقبين السياسيين إلى جذور طائفية تلك التطورات السلبية الخطيرة التي استجدت، وما برحت تستجد على المشهد العراقي، فإن هناك من أرجعوا جذور هذه السلبيات إلى المخططات التي سبقت إليها جماعة «المحافظين الجدد» وكانت مسيطرة – كما هو معروف - على مقاليد السياسة الأميركية طيلة عهد الرئيس الأسبق «جورج بوش»- الابن. وقتها بادر صقور المحافظين الجدد وفي مقدمتهم رؤوس التنظير الأيديولوجي: «بول وولفويتز» و«إرفنغ كريستول» وغيرهما، ورؤوس التخطيط السياسي – «كوندوليزا رايس» ومساعدوها ورؤوس التنفيذ العسكري- «دونالد رامسفيلد» إلى اجتياح «العراق» بكل ما أفضت إليه هذه العملية من نتائج فادحة. وساقوا لها تبريرات واهية ارتبطت – كما هو معروف – بحكاية أسلحة الدمار الشامل.. وإن كان هناك من نفذ إلى أعماق المشكلة موضحاً أن « جورج بوش» كان بحاجة إلى مزيد من إضفاء لمسات إيجابية على رئاسته التي شوهتها أقاويل بشأن التلاعب في أصوات الناخبين في ولاية «فلوريدا»..

مغامرة أميركية

لهذا وصف المحللون السياسيون اجتياح «العراق» في عام 2003 بأنه «نزعة المغامرة» الأميركية خصوصاً في ضوء ما أسفرت عنه من دمار في البلد العربي المذكور ومن إلحاق الأذى بمعيشة الملايين من أبنائه.. فضلاً عن تعطيل إنتاجه من الطاقة ونهب المقتنيات الثمينة من الآثار التي كانت تحفل بها متاحفه الوطنية.

في ضوء هذا كله.. جاءت آخر تصريحات «سيرغي لافروف» وزير الخارجية الروسي (في 11 يونيه) وقال فيها:

- كم حذّرنا طويلاً بأن نزعة المغامرة التي بدأها الأميركيون (ومعهم البريطانيون) لن تنتهي على خير.. لقد ظل الوضع في «العراق» يتدهور على طول الخط.. (وها هو العراق) وقد أصبحت وحدته معرضة للتهديد.

في نفس السياق.. يحاول المسؤول الروسي الكبير أن يحلل ما آلت إليه الأوضاع في ضوء التطورات الأخيرة بالعراق فيقول:

- لقد تفشت غوائل الإرهاب لأن قوات الاحتلال (الأميركي) لم تعر اهتماما علي الإطلاق لا لعمليات الشرطة الداخلية ولا لتيسير سبل الحوار الوطني ولكنها اقتصرت فقط على تحقيق مصالحها الخاصة.

العراق وأوكرانيا

بدا القطب الروسي وهو يتخذ هذا الموقف إزاء تطورات «العراق» ليس فقط من واقع نظرة موضوعية سياسياً إزاء هذه التطورات بكل شرورها بالنسبة لشعبنا العربي في «العراق» ولكن «موسكو» اتخذت موقفها بالأحرى من منطلق موقعها التنافسي مع «الولايات المتحدة» من جهة فضلاً عن محاولة سياسية للرّد من جهة أخرى بضربة مواجِهة على موقف «أميركا» ومعها معظم حليفاتها الأطلسية في غرب أوروبا إزاء موقف «روسيا» من أزمة «أوكرانيا» التي ما برحت تشكل هاجساً بالغ الإلحاح في مضمار سياسة الاستقطاب بين «روسيا» و«أميركا» بالدرجة الأولى.

تردد أميركي

ورغم قرار «واشنطن» بإرسال حاملة طائرات إلى مياه الخليج، إلا أن الحالة مازالت تتسم بالتعقيد في ضوء ما يكتنف الموقف الأميركي من عوامل التردد أو عوامل الإقدام والإحجام إزاء مؤازرة «العراق» من حيث الحفاظ على سلامة أراضيه وتكريس وحدته الوطنية فضلاً عن تجنيب الملايين من أبنائه، على اختلاف المناطق والطوائف والمذاهب والأصول والانتماءات مغبة الأخطار الناجمة عن اندلاع الصراعات الداخلية المسلحة وهو ما يلحق أفدح الأضرار والمعاناة بجموع الجماهير المدنية التي لايزال من الواجب تجنيبها عقابيل المنازعات المسلحة على نحو ما تقضي به اتفاقيات «جنيف»، حيث ان هذا الحفاظ على سلامة المدنيين لايزال يشكل مصدر الشرعية الذي تقوم عليه منظومة الحكم والسلطة في أي قطر من أقطار عالمنا.