ملابسات شتى مازالت تحيط بقضية الصراع في أوكرانيا. وبصرف النظر عن مسائل من قبيل الانفصال عن «كييف» والانضمام إلى «روسيا»..

أو حتى من قبيل توتر العلاقات بين «واشنطن» و«موسكو»، وكلها قضايا لها وجاهتها ومبرراتها- إلا أن القضية المحورية في تصورنا وسط هذه الملابسات إنما تلخصها عبارة واحدة لها خطرها الجوهري في مستقبل العلاقات الدولية في عالمنا.. والعبارة هي: الغاز الطبيعي.

خارطة جديدة

ثمة خارطة جديدة للعالم.. يحدد معالمها هذا المورد المحوري الذي يحمل اسم «الغاز». هكذا يسجل، أو بالأدق يُحذّر، أستاذ كبير في مجال العلوم السياسية.. وهو البروفيسور الأميركي والمشرقي الأصل والي نصر وهو يشغل حالياً منصب عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في واحدة من أهم جامعة الولايات المتحدة وهي جامعة «جون هوبكنز».

الدكتور والي نصر يرى أن الخارطة المذكورة من شأنها أن ترسم تضاريس القوة الاقتصادية الجديدة في عالمنا، وأن تسفر عن حالة مستجدة من التنافس بين «روسيا» و«أميركا» حول تصدير موارد الطاقة إلى أوروبا وآسيا.

العمالة الرخيصة

في هذا الموضوع نَشَر والي نصر دراسة موجزة عرض فيها لظاهرة أو ميزة العمالة الرخيصة التي أتاحت لقوى عديدة – بخلاف «الولايات المتحدة» – أن ترتقي سلم التنمية الاقتصادية، وأن تؤكد وجودها وانجازاتها- قوى تضم دولاً في «أميركا اللاتينية» وشرقي أوروبا.

بينما كانت الصورة مغايرة وحافلة بالسلبيات في حالة دول الغرب (الأورو- أميركي) التي ظلت تعاني من تفاقم البطالة واشتداد الصراعات بين الأجنحة السياسية بل وكان بعضها معادياً لظاهرة العولمة في حد ذاتها.

الغاز هو الحل

لا يرى المفكر السياسي الذي نحيل إليه حلولاً ناجعة سوى في مورد أساسي واحد هو:

الغاز الطبيعي. وهو يصفه بأنه أنظف (من حيث الانبعاثات الكربونية) من الفحم، وأنه أرخص من حيث السعر من الطاقة النووية ثم إنه أيسر وأسرع من حيث التطوير والاستخدام..

ثم ان أحدث أساليب التكنولوجيا باتت تتيح استكشاف واستخراج الاحتياطات الوافرة والواعدة من الغاز الطبيعي بعد أن كان ذلك أمراً محفوفاً بالصعاب في الماضي، وهو ما يجعل الغاز هو المصدر المحوري للناتج الصناعي العالمي في الفترة المقبلة.

أوباما والغاز

في نفس السياق يحمد والي نصر وعود الرئيس الأميركي أوباما بشأن عودة التصنيع في «أميركا» إلى استخدام الإمدادات الحافلة والرخيصة من «الغاز الطبيعي».

كما يزودنا الأكاديمي المذكور بمعلومات تفيد بأنه «حتى منتجي الطاقة في أماكن مثل قطر وأذربيجان باتوا يوظفون بالفعل استثمارات في مجالات التنقيب والتوزيع لإمكانات أميركا نفسها من الغاز الطبيعي»، مضيفاً في نفس السياق أن هناك أطرافاً شتى في آسيا بدأت تنظر إلى «أميركا» على أنها السوق الواعدة مستقبلاً في هذا المجال.

الطاقة النووية

من ناحية أخرى، تشير هذه الدراسة الموجزة أيضاً إلى أن ثمة أطرافاً أصبحت تتوجّس خيفة إزاء مغّبة استخدام الطاقة النووية وعلى رأسها «اليابان» و«ألمانيا» تحت وطأة الحوادث – الكوارث التي نجمت في هذا المجال.

وهو ما دفع الخبراء إلى رصد التطورات التي تستجد في هذا المضمار على مدار السنوات العشرين المقبلة، حيث يتوقعون أن يحل عام 2035 ليشهد زيادة بنسبة 50 في المئة في استهلاك العالم من الغاز الطبيعي: من 3.3 تريليونات متر مكعب سنوياً إلى 5.1 تريليونات، وهو ما يزيد من أهمية الاحتياطيات من هذا المورد الجوهري للطاقة سواء في مياه «البحر المتوسط» أو في «بحار الصين الجنوبية» أو في «روسيا» وفي أصقاع من الشرق الأوسط .

أهمية روسيا

عند هذه النقطة تتوقف هذه الدراسة ملياً كي تسترعي أنظار أهل التخطيط الإستراتيجي في «أميركا» إلى ما يتوقعه صاحب الدراسة من ازدياد أهمية «روسيا» بالذات من حيث قدرتها على تزويد منافسي «أميركا» الاقتصاديين بطاقة الغاز الرخيص، وهو ما يجعل هؤلاء المنافسين صامدين لدرجة التحدي إزاء المنافسة مع «أميركا».

وهذا ما يحدث فعلاً في حالة إمدادات الغاز التي تقدمها «روسيا» إلى «ألمانيا»، فضلاً عما يخطط له «الكرملين»- «بوتين» شخصياً- من تزويد «الصين» بالغاز الروسي عن طريق شبكات الأنابيب مع احتمال أن تدخل «روسيا» في اتفاقات مماثلة مع كل من «كوريا الجنوبية» و«اليابان».