خلال حرب فيتنام التي شهدها عقد الستينات من القرن العشرين، كانت «الصين» تُشكّل سنداً بصورة أو بأخرى لمحاربي «الفييت كونغ» الذين كانوا يقاتلون القوات الأميركية في طول شبه الجزيرة الفيتنامية وعرضها.
يومها كان المراقبون السياسيون يرصدون تطورات العلاقة الإيجابية بين «بيجين» التي كانت تحت زعامة «ماوتسي تونغ»، و«هانوي» التي كانت تحت زعامة «هو شي منه» وكلاهما كان النظر إليه في صدارة زعماء العالم الثالث الذين كانوا على رأس المقاومة الوطنية المضادة للإمبريالية سواء في صورة الاستعمار القديم أو في صورة الاستعمار الجديد.
راحت فيما يبدو أيام هذه الصداقة التي أعانت «هانوي» (فيتنام الشمالية) و«سايجون» (فيتنام الجنوبية) على التخلص من الهيمنة العسكرية الأميركية عند منتصف سبعينات القرن.
وأسفر هذا الكفاح الوطني عن إصابة النفسية الجمعية الأميركية ذاتها بشعور عميق من كآبة الإحباط بما يعرف باسم «عقدة فيتنام» فيما استطاع الطرف الآسيوي أن يوّحد شطري شبه الجزيرة ومن ثم جاء تمهيد الطريق أمام «فيتنام» كي تنطلق على مسار التنمية إلى حد أن استطاعت الانضمام مع مطلع التسعينات إلى المجموعة التي أطلقوا عليها وقتئذ وصف «النمور الآسيوية».
ولأن دوام الحال، كما يقولون- من المُحال فهاهي الأوضاع تتحول في تلك الأصقاع من جنوب الشرق الآسيوي إلى حد نشوء خلافات حادة في بعض الأحيان بين أصدقاء الأمس.
وبالتحديد بين «الصين» و« فيتنام» حول حقوق التنقيب عن النفط في أعماق البحر. وبتحديد أكثر في مناطق مازالت محل تنازع بين «هانوي» و«بيجين»، حيث تقع هذه المناطق في «بحر الصين» الجنوبي وعلى مسافة يقّدرها الخبراء بنحو 150 ميلاً من الساحل الفيتنامي وعلى مقربة بالذات من جزر «باراسل» التي تعد بدورها محل تنازع بين الطرفين المذكورين أعلاه.
وهناك من يعزو المشكلة في جانبها السياسي إلى وجود خلافات في الرأي والموقف داخل قيادة الحزب الشيوعي نفسه الحاكم في «فيتنام».
ويضم المكتب السياسي لهذه القيادة 16 عضواً يقال ان بعضهم مازال يدين بالولاء (العقائدي- السياسي) إلى «الصين» فيما طرأت تحولات على البعض الآخر: باتوا يميلون إلى طلب العون والتأييد لموقف «هانوي» من جانب المجتمع الدولي بشكل عام و«أميركا» بشكل خاص.
ولأن الحالة في هذه البقعة البحرية الآسيوية شهدت في الفترات الأخيرة بعض المناوشات التي وقعت من جانب قوات حرس السواحل من «الصين» و« فيتنام» فقد أمكن احتواء الأمور وإن كان الموقف لا يزال يتصف حسب المصطلح الذي ابتكره الأميركيون بحالة من «الاستقرار الخطير».
وفي غمار هذه العوامل المستجدة، بادرت «الصين» في الأسبوع الماضي إلى إيفاد واحد من كبار دبلوماسييها لإجراء مباحثات مع النظراء في «هانوي» بشأن «المنّصة النفطية البحرية» التي أصبحت محل التنازع بين الطرفين. وبدلاً من ذلك فالمفضل هو الدخول في «تبادل صريح ودقيق ومستفيض لآراء الطرفين بشأن القضايا المشتركة بينهما».