«نورماندي» عادت لتملأ الأسماع والأبصار في الأيام الأولى من شهر يونيو الجاري، وتقع في تخوم الشمال الغربي من «فرنسا» مطلة على بحر المانش.

«نورماندي» اسم له وقع خاص في التاريخ الإنجليزي والفرنسي على السواء.. لا ينسى أهل «بريطانيا» أن بلادهم تعرضت لحملة شهيرة حملت اسم الغزو النورماندي (نورمان كونكويست) حين اجتاحت الجيوش الفرنسية أراضي «إنجلترا» بقيادة ويليام الفاتح واحتلت بلاد الإنجليز، وكان ذلك تحديداً في عام 1066 للميلاد.

بعدها سادت الفرنسية ربوع «إنجلترا» إذ أصبحت لغة البلاط الحاكم في بلاد الإنجليز ولدرجة أن تركت الفرنسية آثارها حتى الآن على شكل ألفاظ ومسميات ومفاهيم في اللغة الإنجليزية.

ثم ها هي «نورماندي» تعود لترتبط في الذاكرة المعاصرة بالحَدَث الذي شهده منتصف أربعينات القرن العشرين وبالتحديد في مثل هذه الأيام من صيف عام 1944 حين كانت الحرب العالمية الثانية في أتون اشتعالها.

هنا ترتبط «نورماندي» بموعد حددوا له يوم السادس من يونيو لعملية إنزال جنود الحلفاء بقيادة الجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور على ساحل «نورمانديا» شمال فرنسا، وفي إطار ترتيب عسكري بالغ الدقة من ناحية الهدوء والسرية، بحيث تكون مفاجأته صاعقة بل صادمة لجنود النازي الألمان المحتلين لأراضي «فرنسا» في تلك الفترة.

ونجح «الإنزال النورماندي». وشقت جحافل الحلفاء طريقها إلى ألمانيا، حيث سبقتها القوات السوفييتية بقيادة الجنرال الروسي زوكوف إلى اجتياح برلين ومداهمة وكر زعيمها هتلر. وبعدها وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

سبعون عاماً انقضت بالأمس القريب على عملية «الإنزال النورماندي».. وخلال هذه العقود السبعة – على نحو ما تقول الصحفيّتان مايا دي لابوم وإليسا روبن (في رسالة من ساحل نورمانديا)، فقد أحاط العالم معارك «نورماندي» المذكورة بغلالات من الأسطورة التي تغنت بالبطولات والتضحيات وكانت من ثم بالغة الدسامة للكتابات والروايات والأفلام .

بعدها تحّولت هذه الأحداث التي أجاد الفرنسيون استثمارها لأغراض الجذب السياحي ، فيما أراد الأميركيون استثمارها كنوع من التحفيز القومي، فبعثوا بمن لايزال على قيد الحياة من جنود وضباط تلك الأحداث وجميعهم فوق التسعين – كي يجسدوا رموزها من جديد خلال الاحتفالات التي شهدت حضور أكثر من رئيس دولة، وكان في مقدمتهم كل من الروسي بوتين والأميركي أوباما.

تلاحظ الكاتبتان أن هذه المناسبة السبعينية ربما تكون الأخيرة من نوعها التي تشهد من لايزال على قيد الحياة من هؤلاء العسكريين. ومنهم مثلاً محارب قديم جاء من ولاية «أريزونا» الأميركية: اسمه ﭽون تريبون عمره 92 سنة.

 وهو يحكي عن الفصيلة التي كانت تضّمه وزملاءه وكان قوامها، كما قال، 560 فرداً. وبعد معارك «نورمانديا» بقي منهم على قيد الحياة 240. وهنا يضيف قائلاً: عندما عدنا إلى الوطن بعد انتهاء الحرب كنا 120. أما الآن فلم يبق منا سوى ثلاثة فقط لا غير.

يقول الصحافيون: كانت الدموع تغطي ملامح وجهه وهو يكاد ينشج بعبارة تقول: هذه هي حكايتنا.