بتاريخ 26 يونيو الماضي، وفي غمار الحماس الشامل الذي ظل يلف أرجاء المعمورة خلال متابعة وقائع وصولات »كأس العالم« في »مونديال البرازيل« نشرت صحيفة »النيويورك تايمز« الأميركية مقالاً للصحافية والروائية البرازيلية فانيسا بربارا، واختارت له الكاتبة عنواناً لافتاً وهو: »البرازيل

ضد.. البرازيل«. والعنوان يلمح إلى أن كان هناك »برازيل« أخرى تلعب مباراتها الخاصة في مواجهة »البرازيل« التي نعرفها ونتابعها. أو هي »البرازيل« الرسمية التي قامت باستضافة وقائع الحدث الكروي الغلوبالي المشهود.

احتجاجات وصدامات

عرضت الكاتبة البرازيلية إلى وقائع شهدتها مدينة »ساو باولو« خلال استعدادات المونديال.. وضمّت مواجهات ساخنة أحياناً بين الشرطة.. والمواطنين الذين كانوا يتعرضون لوابل الرصاصات المطاطية لزوم تفريق التظاهرات. وهنا تعلن المثقفة البرازيلية قائلة:

- يبدو أن البرازيل لم تكن تضم فريقاً وطنياً واحداً يمثلها خلال مباريات كأس العالم. بل كان لديها فريقان: واحد يؤيد المشهد والثاني يرفضه ويعارضه على طول الخط.

وبديهي ــ تضيف الكاتبة ــ أن فريق المؤيدين يضم كل مشجعي كرة القدم وكل الشغوفين بحكاية كأس العالم.. إضافة إلى البرازيليين المنحازين للحكومة الاتحادية في العاصمة »برازيليا«، وقد كانوا يصدرون عن مقولة أن المونديال يتيح فرصة اقتصادية هائلة، وهو سبيل لتعزيز مكانة »البرازيل« في طول العالم وعرضه..

وهم يرددون في هذا الصدد مقولة السيدة ديلما روسيف رئيسة الجمهورية: إن ما شيدناه من مطارات ومواصلات تحت الأرض وساحات للاستاد الرياضي لن يذهب إلى الخارج مع الزائرين.. بل سوف يستمر معنا لكي يستفيد منه الجميع.

المعارضة البرازيلية

ورغم منطقية مثل هذه الطروحات، إلا أن مؤيدي المونديال عشاق كرة القدم بالذات لا يتورعون عن اتهام المعارضين بأنهم مجرد معارضين للحكومة اليسارية في »البرازيل«. ومن ثم فهم يمينيون، فاشيون بل.. وإرهابيون.

المهم أن كاتبة المقال ــ البرازيلية كما ألمحنا ــ تزيح الستار عن أنشطة جماعات المعارضين الذين لم يكد يسمع لهم صوت خلال الوقائع الصاخبة والمتوهجة لمونديال البرازيل.

ورغم ما تتمتع به »البرازيل« ــ كما هو معروف ــ من موقع متميز في مضمار التنمية منذ نجاح تجربتها على يد رئيسها السابق دي سيلفا، ما جعلها عضواً في مجموعة »بريكس« للاقتصادات النامية الناهضة، إلا أن المحلل السياسي لا يملك سوى أن يتوقف من منظور موضوعي عند هذه الظاهرة من انقسام الرأي العام في »البرازيل«.

الكتلة السوداء

وتذكر الكاتبة فانيسا بربارا أن هذا الانقسام يضم بالطبع مؤيدي المونديال وعشاق المباريات الكروية فيما يضم المعارضين الذين يصطفون تحت شعار »الكتلة السوداء«، حيث يستمدون أصولهم من اتجاهات أناركية (فوضوية)، ومن حركات ودعوات معاداة الرأسمالية ومناوأة الحكومات على نحو ما شهدته كل من »إيطاليا« و»ألمانيا« خلال مطالع سبعينات القرن الماضي..

وتقدر الكاتبة أنهم يشكلون نسبة 10 في المئة من سكان »البرازيل« وخاصة بين قطاعات الشباب الذين تظاهروا احتجاجاً على ما رأوه من إسراف في إنفاق»الأموال العامة« على حدث خاص وهو ما يتعارض مع ما سبقت إليه حكومتهم منذ 7 سنوات حين وعدت بألا يتم إنفاق سنت (درهم) واحد من »الأموال العامة« على بناء استاد هنا أو ساحة رياضية هناك.