زاد ارتكاب الجرائم وتفاقمت انتهاكات القانون.. فكان طبيعياً أن يتسع نطاق التحقيقات التي تقوم بها دوائر الشرطة وجهات النيابة العامة تمهيداً لإحالة ملفات المتهمين إلى منصّة القضاء.
هذا هو الحال الذي أصبحت تعيشه دوائر الشرطة والنيابة والقضاء في «الولايات المتحدة». وكان طبيعياً أن تبادر منظمات «حقوق الإنسان» إلي الدفاع عن حقوق المواطنين الأميركيين الذين يخضعون لطائلة الاتهامات الموجهة إليهم من جانب أجهزة الشرطة، وخاصة في ضوء ما تصطلح عليه أجهزة الشرطة بأنه «توسيع دائرة الاشتباه».
وزارة الداخلية
والمعروف أن «أميركا» تكاد تنفرد بين بلدان العالم بأنها تضم أظرف وأخف «وزارة داخلية» على وجه البسيطة.. وبديهي أن عبارة «وزارة.. الداخلية» تكاد تتلازم مع عمليات القبض والتوقيف والإيداع في المحابس وتحصيل الغرامات وربما إنزال العقوبات..
لكن «وزارة الداخلية» - الأمريكاني كما قد نسميها- لا علاقة لها بهذا كله: دائماً تتوزع اهتماماتها وتنصرف اختصاصاتها إلي جهود حماية الساحات الخضراء وتعهّد الحدائق والمتنزهات وحراسة الموانئ والمرافئ.. وما في حكمها..
والسبب أن أعمال واختصاصات الشرطة المتعارف عليها إنما يختص بها جهاز شهير في «أميركا» ويحمل عنوانه التقليدي وهو مكتب التحقيقات (وأحياناً مكتب المباحث) الفيدرالي (إف. بي.آي كما يسمونه في تلك الأصقاع).
تصوير الاعترافات
في سبتمبر الماضي تولي قيادة المكتب الاتحادي المذكور مديراً جديداً هو «يمس كومي» فكان أن حرص على إدخال تغييرات على أسلوب التحقيقات التي يجريها موظفو المكتب (أو عملاؤه كما يقول المصطلح المستخدم في هذا الصدد) مع المتهمين أو المشتبه في أمورهم.
وأهم هذه التغييرات، على نحو ما كتب مؤخراً الصحافي «مايكل شميدت»، ما جاء متمثلاً في اتفاق مكتب المباحث الاتحادي مع وزارة العدل الأميركية على ضرورة تسجيل سير وتفاصيل التحقيقات التي تجري مع المتهمين تسجيلاً مصوراً ودقيقاً بايديو، وتحت شعار تطوير أساليب التحقيق مع المتهمين على نحو يضاهي أحدث الأساليب المستحدثة في هذا المضمار.
فضلاً عن الاستجابة إزاء ما ظل يطلبه محامو الدفاع بل وعدد من وكلاء النيابة والمدعين العموميين أنفسهم ممن لايزالون يؤكدون أن تصوير التحقيقات بواسطة ايديو ولاسيما عند اعتراف المتهمين- أمور مازالت من الأهمية بمكان وخاصة عندما تعرض القضية حسب الأعراف القضائية الأميركية على جماعة المحلفّين المطلوب منهم كما هو معروف - التوصل إلى رأي يفيد ما إذا كان المتهم مذنباً أو غير مذنب.
فصل المدعي
والحاصل أن شهد عام 2007 فصْل المدعي العام السابق في ولاية «أريزونا» من سلك النيابة لأنه طالب بتصوير التحقيقات والاعترافات بأسلوب ايديو، وكان معارضاً بذلك أسلوب مكتب المباحث الفيدرالي ومطالباً بتغيير هذا الأسلوب لمصلحة إقرار العدالة بطبيعة الحال.
يومها أعلن المدعي العام المذكور، واسمه «بول شارلتون» أنه وكثيراً من زملائه من أعضاء النيابات يخسرون القضايا التي يترافعون فيها ضد المتهمين، وخاصة ما يتعلق بجرائم الاعتداءات الجنسية وارتكاب جنايات العنف والإيذاء المفرط.
إذ لم يكن بوسعهم استخدام أسلوب التصوير خلال سير التحقيقات لا بالنسبة للمتهمين بارتكاب الجرائم وحسب، ولكن بالنسبة لتصوير الضحايا المجني عليهم بكل ما ينطوي عليه ذلك من شحنات عاطفية ومواقف انفعالية كان عرضها بهذه الأساليب كفيلاً بإقناع جماعة المحلفين.
توثيق الحقوق
في كل حال يحرص السيد «إيريك هولدر» المدعي الأميركي العام ( وهو وزير العدل في إدارة الرئيس أوباما) على التأكيد بأن هذا التطور المستجّد في تصوير التحقيقات بايديو من شأنه أن يتيح توثيق ما سوف يلقاه الأفراد الموقوفون رهن التحقيق من حقوق يكفلها لهم القانون والدستور.
