في سنة 1947 حصلت «الهند» على استقلالها من «إنجلترا».. لم تعد «الهند» هي «درة التاج» بالنسبة لإمبراطورية «بريطانيا العظمي» التي كانت لا تغيب الشمس عن أراضيها، أو بالأدق عن ممتلكاتها فيما وراء البحار كما كانوا يسمونها سالف الأيام.
غاندي ونهرو
في العام المذكور استطاعت «الهند» أن تقطف الثمار.. وكانت ثماراً يانعة بطعم الحرية والاستقلال، فيما كانت براعمها بالغة المرارة بطعم الأيام الصعبة والكفاح المتواصل الذي بدأه «المهاتما غاندي» مع مطالع القرن العشرين ثم واصل مسيرته الزعيم المثقف «جواهر لال نهرو» الذي قاد حزب «المؤتمر» الهندي إلى حيث بلوغ أمل الاستقلال، ومن بعدها ظلت مقاليد الأمور في «الهند» بيد الحزب المذكور.. وبقيادة «نهرو» ومن بعده كريمته «أنديرا غاندي».. ولكن باستثناء فترات موجزة من أيام الثلث الأخير من القرن العشرين.
منافسة حزبية
بيد أن الأيام دُوَل كما يقولون.. خاصة وقد ظلت «الهند» تجسيداً للمسيرة والممارسة الديمقراطية التي لايزال من مبادئها الجوهرية فكرة وفعل التغيير في مؤسسات الحكم وأدوات السيطرة والإدارة السياسية، وعلى أن يتم ذلك وفقاً لإرادات وخيارات الناخبين.
ولقد تجلت مؤخراً معالم التغيير. من حيث الفكرة والفعل بل والشخصيات.. خلال الانتخابات التي شهدتها «الهند» خلال الفترة القريبة الماضية وهي الانتخابات التي خاضها حزب «المؤتمر» بوصفه المؤسسة السياسية - المخضرمة كما نسميها- وكان ينافسه بالذات الحزب «الهندوسي الوطني»: الحزب الأول كان يمثله على مستوى القيادة «راحول (راؤول) غاندي» (43 سنة) الذي ينتمي...
كما يظهر من اسمه إلى عائلة «غاندي- نهرو» العريقة في دنيا السياسة الهندية، فيما كان يمثل الحزب المنافس «نارندرا مود» الذي ينتمي إلى حزب «بهارتيا جاناتا» المعارِض وهو الفصيل الذي وصل قاب قوسين أو أدنى كثيراً من الفوز الحاسم في الانتخابات ومن ثم إلى تسلّم مقاليد البلد الآسيوي الكبير.
اعتراف بالهزيمة
ولقد جاء هذا التحول في اتجاهات الناخب الهندي ليشكل فرصة أمام جموع المحللين السياسيين والمراقبين عن كثب للشأن الهندي الراهن، وخاصة بعد صدور تصريحات لها دلالتها الواضحة عن أركان حزب «المؤتمر» ومنهم مثلاً «رانديب سور جوالا» الذي أكد هزيمة حزب «المؤتمر» قائلاً:
- نحن بكل تواضع نقبل الحكم الصادر عن شعب «الهند». ولسوف نواصل الاضطلاع بدور المعارضة البناءة والموضوعية وهو الدور الذي أسنده إلينا شعب «الهند».
بعدها انطلقت الحسابات السياسية حيث لايزال يتصدرها السؤال البديهي: من هو «مودي» الفائز في الانتخابات الهندية؟
الزعيم مودي
وفي معرض الإجابات المبدئية.. يرد القول بأن «نارندرا مودي» هو في الأساس زعيم إقليمي وقد ظل يقود منطقة غوجارات على مدار 13 سنة وجذب إلى تأييده جموع الناخبين الذين رأوا فيه قائداً يتمتع بالانضباط والحزم، خاصة وقد ظلت شعاراته تَعِد هؤلاء الناخبين بأنه عازم على مكافحة الفساد والتصدي لآفة البطالة ودعم الاقتصاد الهندي الذي أصابته مؤخراً مشاكل الركود. على الجانب الآخر من هذه القضية.. ثمة آراء تحرص على استرعاء الانتباه إلى سلبيات شابت في تصورها سلوكيات هذا السياسي الهندي الفائز في الانتخابات..
تشير هذه الآراء إلى فشل الزعيم «مودي» في التصدي للمحنة التي تعرض لها السكان المسلمون على صعيد الإقليم الذي ظل يتولى إداراته طيلة تلك الأعوام الثلاثة عشر: إنها محنة عام 2002 التي شهدت سفك دماء المسلمين دون تدخل حازم أو ملموس من جانب «مودي»، ولدرجة أنه راح ضحية تلك الصراعات الطائفية المقيتة أكثر من 1000 مسلم من مواطني الهند.
أسباب الهزيمة
يلفت النظر في هذا السياق ما يشير إليه مراقبو الشأن السياسي الهندي من أن هزيمة حزب «المؤتمر» (وبالتالي عائلة غاندي) ترجع إلى عوامل شتى يأتي في مقدمتها أن «راؤول غاندي» الذي قدموه للزعامة لا يجيد الخطابة إضافة إلى أن ثمة جيلاً مستجداً من شباب الأسرة العريقة المذكورة أصبحت تفصلهم حواجز شتى عن عشرات- مئات الملايين من أبناء البلد الآسيوي الكبير.
