لم يقتصر أمر الخلاف المحتدم حالياً بين «أميركا» و«روسيا» على مجرد فرض العقوبات الاقتصادية على أفراد وشخصيات من كبار المتنفذين في «موسكو». لقد اتسع النطاق إلى حيث باتت الأوساط العليمة المسؤولة في العاصمة الأميركية «واشنطن» مشغولة بواحد من هذه الشخصيات على وجه الخصوص واسمه: غنادي تيموشينكو.
صحيح أن الاسم المذكور لم يكن ليعني شيئاً بالنسبة لعامة الأميركيين رغم أنه شريك في امتلاك مؤسسة روسية كبرى للتجارة السلعية تحمل اسم «مجموعة غونفور». لكن الأصّح هو أن اسم المواطن الروسي المذكور بدأ يتكرر بشكل متواتر في مستندات وأرشيفات وزارة الخزانة الأميركية، وما لبث الأمر أن اكتسب مزيداً من الأهمية السياسية هذه المرة من خلال النتائج التي خلصت إليها الأوساط الأميركية المسؤولة، وأفادت هذه النتائج بما يلي: أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين يمتلك استثمارات تخصّه في مؤسسة «غونفور» المذكورة أعلاه.
في هذا السياق تذهب دوائر سياسية وإعلامية في الولايات المتحدة إلى أن «بوتين» يمتلك ثروة سرية وهو أمر ظل يحيّر العديد من الباحثين في ميادين العلم والمحللين في مجال الصناعة وشخصيات المعارضة فضلاً عن عتاة الإعلاميين وعملاء وكالات الاستخبارات. ومع ذلك فقد ظل الكشف عن هذا الأمر يشكل تحدياً للجميع، فيما تراوحت توقعات حجم الثروة أو فلنقل التخرّصات المحاطة طبعاً بالشكوك بين 40 و70 مليون دولار، وهو ما يجعل الرئيس الروسي نظرياً على الأقل كما يقول الكاتب الأميركي بيتر بيكر أغنى رئيس دولة في التاريخ.
يضيف الكاتب المذكور أيضاً أن محاولة الوقوف على ثروة السيد بوتين المخبوءة، كما يسميها، استغرقت السنوات الخمس عشرة الأخيرة، فيما جاءت استجابات الرئيس أوباما إزاء أزمة أوكرانيا، لتبعث من جديد حكاية الثروة البوتينية وكأنما تخرج بها بعيداً عن زوايا التكهنات، وهو ما دفع إدارة أوباما إلى اصطناع تدابير عقابية جديدة ولكنها تتجه هذه المرة بالذات إلى استهداف مَن تراهم بمثابة الدائرة المالية المحيطة برجل الكرملين فلاديمير بوتين. وبديهي أن واشنطن لم تعمد حتى الآن إلى فرض جزاءات على بوتين شخصياً. وهناك من مسؤولي الإدارة الأميركية من يؤكدون أن هذا لن يحدث في الأجل القصير. وهم يقولون إن استهداف رئيس دولة شخصياً أمر يصل إلى حالة تصعيد «نووي» (ناهيك عن رئيس أقوى دولة في شرق أوروبا).
علي الجانب الآخر من هذه الصورة التي لا تعدو في تصورنا سوى لعبة ممارسة ضغوط أو ضربات من فوق الحزام ومن تحت الحزام في غمار الصراع الدولي بين طرفي الشرق والغرب، نلاحظ أيضاً حرص «الميديا» الأميركية على عرض الجانب الآخر من الصورة..
حيث نشرت رسائل صحافية بعث بها من موسكو الكاتبان ستيفن لي مايرز وديد هنزنهورن، يؤكدان فيها أن بوتين ظل حريصاً طيلة سنوات مضت على رفض ونفي أي تصورات عن ثروة يحوزها. بل إنه في عام 2013 الماضي قدم رسمياً إقراراً بدخله الذي لم يتجاوز مبلغ 102 ألف دولار طبقاً لبيان صادر عن قصر الرئاسة في الكرملين في شهر أبريل الماضي. وهنا يضيف الكاتبان من موسكو أن بوتين ظل يتقاضى راتبه بانتظام منذ أيام خدمته في سلك الاستخبارات الروسية (كي.جي.بي).. وأن الرجل مازال اهتمامه في نظر الكثيرين منصبّاً على السلطة وعلى الروح الوطنية قبل أي مكاسب مادية.