هو كتاب جديد صادر أخيراً في فرنسا (بلد المؤلف الأصلي) ثم في أميركا بعد ترجمته من الفرنسية إلى الإنجليزية. الكتاب اختار له مؤلفه، وهو أستاذ شاب في علم الاقتصاد اسمه توماس بيكيتي، موضوع «رأس المال» فيما يذهب عبر صفحاته السبعمئة إلى أن النظام الرأسمالي أدى إلى توسيع هّوة اللامساواة بين الأغنياء وقد أصبحوا صفوة محدودة العدد وبين الفقراء وقد أصبحوا الغالبية العظمى أو الساحقة في مجتمعات الغرب الأوروبي والأميركي على السواء.
خطاب بيل
تلك هي الأجواء التي تحدّث خلالها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في خطابه الذي ألقاه أخيراً، وسط طلاب جامعة «جورجتاون»، وكان ذلك في حضور قرينته السيدة هيلاري التي جلست بالطبع في الصف الأول من الحاضرين، فيما كان يعنيها الكثير من مضامين الخطاب وخاصة في ضوء ما يراودها من أفكار وتطلعات إلى الترشح للرئاسة الأولى في «الولايات المتحدة» في عام 2016.
جامعة «جورجتاون» تصنف في مستوى المؤسسات الأكاديمية المرموقة في أميركا، فضلاً عن العلاقة الخاصة التي تربطها مع بيل كلينتون شخصياً، إذ درس وتخرج فيها، ومن ثم فهي تحمل الوصف الأثير عند أهل الغرب وهو «ألما ماتير» بمعنى الأم ــ الروحية.
نجاح اقتصادي
لكن مجيء «كلينتون» إلى هذه الجامعة الأم، لم يكن بهدف استعادة ذكريات الصبا والشباب فقط، ولكن جاء في إطار جهد استراتيجي كما تقول الكاتبة آمي شوزيك (نيويورك تايمز، عدد 30 أبريل)، ما برح يبذله الرئيس الأسبق ومستشاروه لاستعادة المكانة التي سبق وأن تمتع بها وخاصة في مضمار النجاح الاقتصادي خلال ولايته الرئاسية التي شهدها عقد التسعينات الماضي..
وانتهت كما هو معروف بتكوين فائض غير مسبوق مع فاتح القرن الجديد في الميزانية القومية للولايات المتحدة. وهذا هو الفائض الذي ما لبث أن تبّدد بفعل المغامرات العسكرية التي خاضتها واشنطن خلال حقبة جورج بوش الابن، إلى أن انتهى بها الأمر إلى مواجهة أزمة مالية طاحنة بدأت نذرها عام 2008 في دوائر المال والأعمال الشهيرة في «وول ستريت».
الطريق الثالث
خطاب الرئيس كلينتون استغرق ساعتين، فيما حرص على عرض رسومات بيانية وخرائط توضيحية تؤكد أن سياساته الاقتصادية أدت إلى انتشال الكثيرين في المجتمع الأميركي من وهدة الفقر ومن براثن العوز والحرمان.
وفي هذا الإطار أسهب كلينتون في الحديث عن النموذج الجديد الذي احتذاه في عالم الاقتصاد، حيث قام هذا النموذج ــ الطريق الثالث كما أصبحوا يسمونه ــ على شراكة بين القطاعين العام والخاص إضافة إلى التركيز على إثراء الطبقات الوسطى بدلاً من العمل على إفقار الطبقات الثرية العليا.
آفة اللامساواة
في نفس خطاب «جورجتاون» حرص كلينتون على التوقف ملياً عند الآفة التي نتصور أنها أصبحت محوراً لاهتمامات وأحاديث الساسة في كل أنحاء الغرب الأوروبي- الأميركي: إنها آفة اللامساواة التي عمد كلينتون إلى وصفها بأنها «عائق شديد الوطأة يحول دون تحقيق النمو»..
موضحاً في الوقت نفسه أن مشكلته خلال رئاسته في التسعينات كانت تتمثل في معارضة الحزب الجمهوري على مستوى مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس، حيث كان الجمهوريون يركزون فقط على عملية إعادة توزيع الثروة ولصالح الطبقات الثرية العليا..
فيما أضاف على سبيل المقارنة أنه استطاع أن ينتشل من ربقة الفقر نحو 7.7 ملايين نسمة من مواطنيه مقارنة برقم شديد التواضع هو 77 ألفاً مجرد 77 ألف فقير خلال ولاية سلفه الرئيس رونالد ريغان الذي ينسبون إليه في أميركا. وأيضاً إلى مرغريت تاتشر في إنجلترا، اتباع سياسة كان من شأنها محاباة الطبقات المحظوظة الموسرة في مجتمعيهما، وعلى حساب الطبقات المحرومة المهمشة بطبيعة الحال.
طريق هيلاري
صحيح أن كلينتون.. الزوج، كان يتحدث بلهجة أقرب إلى التمهيد لترشيح زوجته بعد عامين من زماننا الراهن. لكن الصحيح أيضاً أن الزوجة مازال أمامها شوط طويل تقطعه كي تحوز القدر المطلوب من الشعبية من أجل المغامرة بخوض سباق الرئاسة المرتقب.
لقد طلبوا منها على سبيل المثال أن تتدخل لزيادة أجور العمال المستخدمين لدى كبرى المؤسسات الاستهلاكية في أميركا.. ويبدو أنها ترددت في هذا الأمر وهو ما دفع بزعيم أميركي شعبوي من أصل عربي هو رالف نادر، إلى أن يعلن قائلاً:
-«إنها تكتفي بجولات في أنحاء البلاد وتحصل فيها على الجوائز وتلقي خطابات لقاء 200 ألف دولار في المرة الواحدة، ولكن اهتماماتها تدور حول موضوعات النواعم من قبيل مشكلات الأمهات أو صنع فطائر التفاح»..
