انتصار اليمين الفرنسي في انتخابات فرنسا خلال الأيام الأخيرة من مارس الماضي أجبر الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، كما أصبح معروفاً، على تغيير حكومة باريس بأكملها وفي المقدمة كان رئيس وزراء فرنسا السابق بطبيعة الحال.

راحت إذن الأيام الخوالي الماضية التي شهدت رؤساء أقوياء الشكيمة ومن أهل العزائم والتأييد الشعبي.. ابتداء من شارل ديجول وجورج بومبيدو وليس انتهاء بـفرانسوا ميتران أو جاك شيراك.. في زمانهم كانت قطاعات اليمين الفرنسي تشكل أجنحة مقصوصة كما قد نصفها في طائرة السياسة الفرنسية. وكان حسب جان لوبن زعيم اليمين التاريخي في فرنسا أن يقنع بالنجاح المحدود في انتخابات مقاطعة هنا أو بلدية هناك.. أو حتى ببضعة مقاعد في الجمعية الوطنية - البرلمان- في فرنسا.

لكن يبدو أن ابنة الزعيم اليميني المذكور جاء حظها أوفر بكثير من حظوظ والدها. لقد استطاعت"مارين لوبن أن تقود الحزب إلى تحقيق أحدث انتصارات انتخابية بحيث أدت إلى تغيير الوزارة الفرنسية.

على أن الواضح أن هذا الزحف من جانب قطاعات اليمين السياسي أصبح يشكل دافعاً أو محوراً لسيل بات متدفقاً من التحليلات والدراسات السياسية التي دارت جميعها حول واقع ومستقبل هذه الأجنحة اليمينية في إدارة وتفعيل الحركة السياسية على مستوى دول الاتحاد الأوروبي بشكل عام. في هذا الإطار ينشر الدكتور كاس مودي أستاذ علم السياسة بجامعة جورجيا دراسة في أحدث أعداد مجلة كرنت هستوري (عدد مارس 2014) عن اليمين الأوروبي المتطرف والمواقع التي يشغلها حالياً على خارطة برلمانات الاتحاد الأوروبي.

ومن المتصور أن مثل هذه الدراسات لابد وأن تحظى باهتمام موضوعي من جانب الأطراف المختلفة في أعلى مستوى العالم العربي، خاصة وأن هذه الأجنحة اليمينية تتبنى في معظمها أيديولوجيات وأجندات سياسية كثيراً ما تتناقض مع مصالح الأطراف الخارجية ومنها طبعاً الأطراف العربية، فيما تعتمد سياسات مناهضة - بحكم التعريف- للهجرات والوافدين على أقطار الاتحاد الأوروبي ومنهم وافدون عرب، ومن أقطار المغارب العربية- الشمال الأفريقي على وجه الخصوص، فضلاً عن أن هذه التيارات اليمينية لها تاريخ سلبي في مجمله في مناهضة قضايا التحرر الوطني والاستقلال السياسي والاقتصادي لدول العالم الثالث إضافة إلى ما يتصف به زعماؤها من روح التعصب العرقي والأيديولوجي في غالب الأحيان.

من هنا يأتي اهتمامنا بالخارطة التي نشرتها مجلة كرنت هستوري التي ألمحنا إليها وهي تدل على تزايد عدد ممثلي هذا اليمين المتعصب في برلمانات أوروبا وهي ظاهرة ظلت متنامية على طول الخط وخاصة في أقطار أوروبية مثل النمسا حيث يشكل حزب الحرية النمساوي ثلث مقاعد البرلمان وحيث زادت نسبة جماعة العصبة الشمالية في إيطاليا من 4.1 % إلى أكثر من 10 % وحيث يشكل حزب "الحرية" في هولندا نسبة 15.5 %.. والبقية تأتي.

بيد أنه يسترعي النظر في الدراسة التي نشير إليها أن التيارات اليمينية المتعصبة لا تزدهر بالضرورة خلال الأزمات الاقتصادية، حيث ان اليمين المتعصب أو الرجعي لا يركز بالضرورة على أزمات الاقتصاد (لأنه لا يملك حلولاً عملية ولا مقنعة لمثل هذه الأزمات) ولكن هذا اليمين - كما تتصور هذه الدراسة يعود إلى البروز والاستقواء في أعقاب الأزمات، وبالتحديد بعد أن تظهر حلولها.. لأنه يركز بالدرجة الأولى على قضايا السلوك والثقافة والعقائد.