نحن إذن على أعقاب حقبة جديدة تماماً في مضمار السياسة العالمية.

هذا هو الشعار الذي يطرحه ويتبناه في الآونة الأخيرة كوكبة من خبراء السياسة في أميركا. صحيح أنها ليست مرحلة مستجدة تشكل استئنافا للحرب الباردة التي انتهت مع فاتحة التسعينات من القرن العشرين.. لكن الأصح أننا بإزاء أسلوب جديد في لعبة السياسة وفي ممارسة العلاقات الدولية. هكذا يحذر ستروب تالبوت وهو من أهم الدارسين للشأن الروسي بين الساسة الأميركيين كما سبق وأن تولى موقع نائب وزير خارجية الولايات المتحدة.

حقبة بوتين

في هذا السياق ينشر مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن مؤخراً تقريراً يحوي آخر تحذيرات هذا السياسي الأميركي المخضرم وتحت عنوان لافت للنظر هو: حقبة بوتين الجديدة.. والخطيرة.

أما التحذير فيقول ما يلي: إن هناك احتمالا بأن يُقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مزيد من التوسع الإقليمي على حساب الدول المجاورة لروسيا وخاصة الأقطار التي تضم حجماً يُعتّد به من ذوي الأصول الروسية، ومنها كازاخستان على سبيل المثال.

وقبل أن يشرع المحللون السياسيون في تأمل مغزى هذه التحذيرات التي أطلقها ستروب تالبوت، يسارع الرجل إلى التنبيه إلى عواقب مثل هذه الخطوات طبعاً في حالة أن يقدم زعيم الكرملين الروسي على اتخاذها. يقول السياسي الأميركي إن مثل هذه الخطوات يمكن أن يكون لها آثار بالغة السلبية بالنسبة لروسيا ذاتها. لماذا؟

أصول مختلفة

- لأن الاتحاد الروسي ذاته يضم قطاعات لا يستهان بها من السكان من غير الأصل الروسي .. بل إنهم ينتمون إلى أصول تركية تركمانية ويصدرون كما يضيف تالبوت عن ثقافة إسلامية ويشكلون قوام الشعوب التي تقطن أصقاعاً عديدة في وسط آسيا.

من هنا يخلص التقرير الأميركي الذي ألمحنا إليه إلى أن الحقبة الجديدة التي طرأت أخيراًعلى خارطة القوى والسياسة في العالم جاءت لتشهد أزمة أوكرانيا- القرم الأخيرة وكأنها نقطة أو إشارة تحذير ظهرت في الفترة القريبة الماضية على شاشات رادار السياسة والعلاقات الدولية.

صراع عقائدي

وفي الحوار الذي احتواه التقرير المذكور مع تالبوت، يحرص السياسي الأميركي على التنبيه إلى أنها ليست فصلاً جديداً من كتاب الحرب الباردة على نحو ما قد يتصور مراقبو الشأن الدولي: إن الحرب الباردة كانت تتسم في جوهرها بأنها صراع عقائدي.. مذهبي إن شئت بين اثنين من المسارات الأساسية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وهما المسار "الرأسمالي" في الغرب والمسار "الاشتراكي الشيوعي" في الشرق.

وفي غمار التنافس الأيديولوجي بينهما كان كل منهما يتصور أنه "وصفة" ناجحة وناجعة لمعالجة الأدواء والعلل التي كانت تقاسيها شعوبهم ما بين شرقي أوروبا (الشيوعي) وغربي أوروبا ثم أميركا (الرأسمالي).

 أما الذي أضفى على الحرب الباردة القديمة أو الماضية عنصر الصراع أو التسخين فكان يتمثل في حقيقة أن كلاً من المعسكرين عمد إلى ترجمة كيانه وتوجهاته إلى قوة عسكرية تجسدت على مدار النصف الأخير من القرن الماضي في حلف وارسو في الشرق بقيادة موسكو وحلف الأطلسي "ناتو" في الغرب بقيادة واشنطن.

ثم اندلع ما كان بينهما من سباق التسلح إلى أن وضعت تلك الحرب الباردة أوزارها مع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين.

طابع إقليمي

أما جولة المواجهة التي شهدتها مطالع عام 2014 الحالي.. فهي ليست في رأي ستروب تالبوت حرباً باردة، وهو يواصل توصيف هذا الاختلاف على النحو التالي:

إن الحرب الباردة شكلت في جوهرها منافسة بين اثنتين من القوى العظمى هما "الولايات المتحدة" والاتحاد السوفيتي" وكان تنافساً على مناطق النفوذ على اتساع خارطة العالم.. في حين أن المجابهة الراهنة تتسم بطابع إقليمي مع الأطراف الشرقية من قارة أوروبا.. وإن كانت المجابهة قد وصلت إلى حيث التخوم التي تتشابك فيها أوروبا مع آسيا وهو ما قد يدل عليه مصطلح "أوراسيا" الذي بات متكرراً في أدبيات الإعلام في الآونة الراهنة.

كارل ماركس

إن الحرب الباردة، كانت كما أسلفنا ذات مضمون عقائدي.. ما لبث أن عبّر عن نفسه في مضامين الفكر والفن والخطاب الشعبي العام على مستوى العالم كله.. ومن ثم فقد كان رائد الحرب الباردة في الشرق هو أفكار كارل ماركس.. في مقابل أفكار "آدم سميث" في الغرب.. أما الآن فالمطروح هو مشاعر تصل إلى حد التعصب القومي والتشدد الإثني. أخيراً.. يذهب السياسي الأميركي المخضرم، ستروب تالبوت.. إلى القول بأن المجابهة الراهنة لن تكون خالية من التكاليف بالنسبة لروسيا.. ولكن سيكون لها أيضاً تكاليف بالنسبة للغرب وأميركا..

وخاصة بالنسبة للقطاع الخاص (وهنا سكت السياسي الأميركي وإن كان مفهوماً أن سكوته ربما يومئ إلى ما يمكن أن تفرضه روسيا من شروط مستجدة على ما تملكه وتقوم بتصديره من سلع استراتيجية وعلى رأسها إمدادات النفط والغاز الطبيعي).