"أيام الزمن الجميل": عبارة طالما تتردد على الألسنة والأسماع والأفهام كلما ضاق الناس بواقع حياتهم. صحيح أنهم يتناسون أن الزمن الجميل.. الذي مضى وانقضى بطبيعة الحال، كان بدوره يحمل هموماً ويضم مشاكل واضطرابات بل وصراعات، ولكن الماضي لا يلبث بحكم التعريف يرتبط بمشاعر الشوق والحنين- "النوستالجيا"- ذلك التعبير الغربي المستقى من أصوله الإغريقية، ومن ثم اللاتينية التي تجّسدها كلمة "نوستوس" بمعنى العودة إلى البيت أو الإياب إلى الوطن..

التحول الحضري

في زماننا الراهن بات الناس، على اختلاف الأقطار والشعوب، يخشون من أن ينفلت الزمن الذي كان جميلاً من أياديهم وذاكرتهم.. ومن هنا كانت الخشية من انحسار الأنساق الثقافية التي تعارفوا عليها ولصالح ثقافات جديدة يفرضها عليهم الحاضر والمستقبل على السواء.

وليس أخطر على التراث الثقافي من ظاهرة يسميها علماء التخطيط باسم "التحّول الحضري"، وهي تشير إلى ظاهرة تحّول الناس- السكن والإقامة ومن ثم العادات والقيم والأعراف والمصالح من البوادي والأرياف وما في حكمها إلى حياة المدن والمراكز الحضرية التي تأخذ بداهة بأساليب الحياة الحديثة بكل ما تفرضه من تغيرات في أنماط الاستهلاك، وفي سلوكيات البشر وفي أساليب المعيشة وإبداعات الثقافة والفن على السواء.

القرية والمدينة

ويحدث هذا في الصين على سبيل المثال والتي خسرت حوالي مليون قرية في 10 سنوات: فالحاصل أن جماعات الشباب في البلد الآسيوي الكبير باتت تراودهم هواجس ضياع التراث الأصيل وانحسار الزاد الثقافي الموروث من أعماق الأرياف ومن ثم تحّوله إلى زوايا النسيان، بعد أن أطاحت به ظاهرة التحول الحضري التي أدت إلى غروب شمس القرية الصغيرة حاضنة التراث ولصالح الكائن الوحش الرهيب الذي لا يكاد يعبأ بالتراث ولا إبداعاته ولا رموزه- ذلك الذي يحمل اسم.. المدينــة.

هكذا يكتب الصحفي الأميركي إيان جونسون عن مواكب الشباب من فناني الصين الذين نظموا لقاءات أسبوعية تحت جسر ضخم عند مشارف عاصمتهم بكين كي ينشدوا الأغاني القديمة ويرددوا الأهازيج مصحوبة بإيقاع الطبول التقليدية وكلها تجسد الميراث الإبداعي في عالم الموسيقى الصينية، وقد أصبح هذا التراث مهدداً بالضياع والاندثار- بعد أن ضاعت واندثرت أصلاً القرية التي كانت حاضنة لثماره ومحافظة على إبداعاته على مدار حقبة طويلة من الزمن..

جذور المشكلة

والحاصل أنه في سنة 2009 أطيح بمعالم القرية الصينية الصغيرة الواقعة - أو التي كانت واقعة- عند تخوم العاصمة: كانت تضم نحو 300 أسرة ولكن أطيح بها لحساب إنشاء ساحة شاسعة- وعصرية طبعاً - للعبة "الغولف".. وهو ما فرض إجراءات أدت إلى تفريق شمل العائلات التي ظلت تسكن القرية الوادعة جيلاً من بعد جيل..

وهو ما اضطر شباب القرية إلى محاولة جمع شملهم في إطار تلك اللقاءات التي تتم كل أسبوع أو كل أسبوعين كي يسترجعوا بالموسيقى تراث أسلافهم المّبدد حيث يتصاعد في لقاءاتهم وعلى أسماع شهود من الجمهور الأغنيات والأنغام التي طالما عبرت في زمن راح عن مشاعر الحب ومرارة الهجر وملاحم الشجاعة التي تحكي عن سير الأبطال الذين انطوت سيرهم في دفاتر التاريخ.

التراث الثقافي

في هذا السياق يقول المفكر الصيني فنغ جيكاي: لقد ظل التراث الثقافي الصيني مستنداً إلى مجتمع الأرياف وما إن تنطوي صفحة القرية تنطوي منها صفحة هذا التراث.

يعلق الكاتب الأميركي إيان جونسون قائلاً: هذا هو ما يحدث بالضبط وبمعدل صادم في هذه الأيام: ففي عام 2000 كانت الصين تضم 3.7 ملايين قرية. وفي عام 2010 انخفض الرقم إلى 2.6 مليون قرية وبمعدل يشير إلى خسارة 300 قرية صينية مع مطلع كل صباح حسب ما أفادت به البحوث الإحصائية لجامعة تيانجين الصينية.

أرض الدولة

تزيد المشكلة خطورة في ضوء الحقيقة التي تقول بأن سكان تلك القرى لا يملكون أراضيها، فالأرض كل الأرض، تملكها الدولة الصينية بموجب القانون. صحيح أن السكان تلقوا تعويضات سخية عندما تركوا قريتهم الأثيرة، لكن هذه التعويضات لم تجد فتيلاً في الحفاظ على تراثهم وثقافتهم وأعمال الفن الشعبي الأصيل التي سبق إلى إبداعها أجيال من الأجداد والآباء.