منجم سحيق الغور في جنوب إفريقيا.. ظل مهجوراً لسنوات وإن كان الناس يشيرون إليه بكل احترام. كيف لا وقد تعارف القوم على أنه منجم يحوي كميات كبيرة من الذهب، في أواخر فبراير الماضي كانت الحياة تمضي في سيرها الطبيعي في تلك المنطقة القريبة من جوهانسبرغ، أكبر مدن جنوب إفريقيا.. فجأة سمع المارة صيحات استغاثة تتناهى إلى الآذان من أعماق المنجم الذهبي، سارعوا إلى إبلاغ شركة غولدون التي تملك حقوق التنقيب بالمنطقة التي تبعد مسافة 25 كليو متراً عن جوهانسبرغ، ومن فورها سارعت الشركة إلى إبلاغ السلطات التي أرسلت قوات الطوارئ، التي اكتشفت بدورها وجود نحو 210 من العمال في أعماق المنجم القديم.

كان العمال يجأرون بالشكوى لأنهم حوصروا داخل قاع المنجم ولا يملكون حراكاً فيما تقطعت أنفاسهم وسط تلك الأعماق، سارعت فرقة الإنقاذ إلى إنزال سارية خاصة كي تزيح صخرة عاتية كانت قد سقطت من جدران المنجم وأدّت مع حطامها إلى سد فتحة التهوية التي تربط بينه وبين العالم الخارجي.

هكذا تم إنقاذ 11 عاملاً ممن كانوا محبوسين في الأعماق - الذهبية إن شئت التعبير.

وما أن أخرجوهم حتى رفض بقية زملائهم وعددهم 180 فرداً أي محاولات للخروج. لماذا؟ لأنهم كانوا يعرفون أنهم إنما يخرجون من أعماق المنجم لكي يودعوا في غياهب السجون.

والسبب هو أن الجميع كانوا يمارسون نشاطاً تعدينياً غير مشروع ويقع تحت طائلة القانون. وكم كانت حيرة عمال الإنقاذ الذين رأوا بعيونهم فريقاً من هؤلاء العمال كانوا قد حوصروا عند قمة المنجم فيما حوصرت بقيتهم في الأعماق، ولم يجد المنقذون حلاً سوي إنزال سلّم مخصوص داخل غيابات المكان بما يتيح لمن داخله أن يخرج وقتما يروق له وإن كان الكل مدركاً أن الخروج لن يكون سوى إلى أبواب السجون.

من هنا تحوّلت تسمية المسألة من مشكلة «منجم للذهب» إلى «مسرح للجريمة» يخرج منه الفرقاء.. يتلقون العلاج اللازم وبعدها يساقون إلى محابس الحكومة بانتظار المحاكمات.

اكتفى رجال الإنقاذ بإخراج العمال الأحد عشر وأخذوا علماً برفض الباقي الخروج خوفاً من محاسبتهم المرتقبة بل المؤكدة. وقبل أن يغادر عمال الإنقاذ الموقع إياه حرصوا على أن يلقوا إلى العمال الذين تحولوا من محاصرين إلى ساخطين وخائفين - عدداً من زجاجات المياه. بعدها كان طبيعياً أن تتحول عمليات الإنقاذ إلى إجراءات توقيف واعتقال. وهكذا جاءت عناصر دوريات شرطة الأرياف في المنطقة لتكمل مهمة القبض على بقية المخالفين.. بعد أن كانت عمليات إنقاذهم التي ألمحنا إليها قد استغرقت أكثر من 9 ساعات. وبعدها أيضاً أصدرت وزارة الموارد المعدنية بياناً أكدت فيه - على نحو ما ذكرت الطبعة الدولية من النيويورك تايمز (عدد 16 فبراير 2014) أن عمليات التعدين غير المشروع، وخاصة بالنسبة إلى استخراج، أو محاولات استخراج الذهب، ما زالت تشكل شاغلاً عميقاً بالنسبة لأوساط الوزارة الإفريقية المذكورة، خاصة وأنها المسؤولة عن إصدار أذونات أو امتيازات احتكار البحث والتنقيب والاستخراج لصالح شركات محلية وأجنبية وفي مقابل مبالغ طائلة تدخل خزانة دولة جنوب افريقيا. ومن ثم فإن أي عمليات غير مشروعة إنما تشكّل تعدياً على الحقوق التي يمتلكها أصحاب الامتياز بحكم القانون ..