كأنما لم تكف الاتحاد الأوروبي بوادر الأزمة التي لاحت مؤخراً في أوكرانيا.. وها هو الاتحاد يتعرّض لحملة انتقاد في الآونة الأخيرة بسبب ما اتخذه، أو ما اضطر إلى اتخاذه، في الفترة القريبة الماضية من إجراءات يحاول بها مواجهة عقابيل الأزمة الاقتصادية التي ما برحت تستبد بمرافق الحياة في كل أنحاء الاتحاد المذكور.
أنصار البيئة
حملة الانتقاد لم تأت من جانب أهل السياسة ولا حتى أهل الاقتصاد، لقد جاءت من جانب أنصار البيئة الذين باتوا يتهمون الاتحاد الأوروبي، وقد يكون معهم الحق في ذلك، بأنه نكص على عقبيه متراجعاً عما سبق وتعهدت به دوله وقياداته من التزامات إزاء الحفاظ على بيئة الكوكب المهيض الذي نعيش فيه.
هكذا طرح قادة الاتحاد الأوروبي، في الفترة القريبة الماضية مقترحاتهم، التي تقضي بالتخلي عما سبق وتعهدوا من التزامات بالنسبة لخفض إنتاج الطاقة التي تنجم عنها الانبعاثات الكربونية الضارة ببيئة كوكب الأرض وصحة البشر، وبحيث يصل الأمر إلى تخفيض هذه الانبعاثات من أكاسيد الكربون بنسبة تصل إلى 40 في المئة بحلول عام 2030.
ظاهرة التساخن
هذه التصورات المستجدة جاءت محصلة لجهود متواصلة ظلت تبذلها المفوضية الأوروبية التي ما برحت تُشكّل الذراع التنفيذية للاتحاد الذي يضم 28 دولة في أوروبا.
وهي جهود وصفها المراقبون بأنها نكوص إلى الوراء فيما يتعلق بالشأن البيئي فيما ألمحت المفوضية بأنها إنما اضطرت إلى هذا الأمر تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة، ولدرجة دفعتها - كما أوضحنا - إلى التنازل عما سبق وراودتها من طموحات للتصدي مع الأطراف العالمية الأخرى لمكافحة ظاهرة التساخن الكوكبي الذي ما برحت تصيب كوكب الأرض، ولدرجة بات يتوقع معها راصدو الشأن البيئي أن يكون عام 2014 الحالي واحداً من أسخن السنوات التي مرت على هذا الكوكب المهيض.
تخفيض الانبعاثات
ومن عجب أن يرصد المراقبون أيضاً أن ثمة شعوراً بالارتياح.. وليس البهجة بالطبع - هو الذي ساد أوساط المفوضية الأوروبية حيث مقرّها في العاصمة البلجيكية بروكسل، بعد الإعلان عن تلك التراجعات التي اتخذوها بشأن قضايا البيئة، خاصة وأنهم ارتضوا التوصل إلى تخفيض أقل، وهو بنسبة 20 في المئة من الانبعاثات الكربونية الناجمة بالطبع عن عمليات التصنيع وحالات احتراق أنواع الوقود الأحفوري ومنها طبعاً الغاز الطبيعي والنفط وبحيث يمكن التوصل إلى تضييق النسبة المذكورة بحلول عام 2020.
النسبة صفر
وكان طبيعياً أن يسارع مانويل باروسّو رئيس المفوضية الأوروبية إلى تخفيف الأجواء، موضحاً أنهم اتخذوا القرار الأخير برغم أن العديد من دول الاتحاد كانت تطالب بمزيد من تخفيض النسبة بما يحول دون المزيد من مسافات التراجع عن الأهداف المعلنة في الماضي، لا سيما وأن الأزمة الاقتصادية ما زالت تمارس آثارها السلبية في بنية اقتصادات معظم أقطار القارة الأوروبية.
وهنا يصل باروسو إلى أن يقول: - حتى لو كانت أوروبا قد التزمت بنسبة صفر فإن ذلك لن يحل مشاكل البيئة العالمية لأن المطلوب هو مزيد من العمل من جانب سائر النظم الاقتصادية الكبرى.
تراجع أوروبا
والحق أن من المراقبين من يتصور أن أوروبا اضطرت إلى التراجع عن الأهداف التي سبق والتزمت بها في عام 2007.
وكان ذلك الالتزام مطروحاً خلال نوبات تحمّسها لإصلاح البيئة العالمية، بقدر ما جاء ذلك أيضاً قبيل حلول الأزمة المالية والمشاكل الاقتصادية التي ما برحت تعانيها أقطار كثيرة في القارة الأوروبية وأبلغ الأمثلة في هذا السياق هو اليونان.
وعلى سبيل التطمين سارعت أوساط الاتحاد الأوروبي إلى القول بأن بلوغ نسبة 20 في المئة خلال السنوات الست المقبلة من الانبعاثات الكربونية في دول أوروبا.. من شأنها أن تصل إلى نسبة 27 في المئة بحلول عام 2030.
فرص العمل
في نفس الإطار يلاحظ محللو السياسات أن الشواغل والقضايا تسربت من حيث الأهمية من بنود جداول أعمال أوروبا في السنوات القليلة الماضية. لماذا؟ لأن اقتصادات القارة المذكورة ما برحت تخوض نضالات بغير هوادة من أجل إيجاد فرص العمل لصالح جموع العاطلين من الشباب الأوروبي الساخط.
ثم إن أوروبا تعاني خلافات في الرؤى بين العديد من أعضائها. فرنسا ترى في الطاقة النووية مصدراً مهماً للطاقة.. في حين أن ألمانيا تخطط للتخلص من طاقتها النووية بحلول عام 2022، بينما لا تزال بولندا تعتمد بشدة على أنواع الوقود الأحفوري من نفط وغاز طبيعي.
ورغم أن الجميع يلتزم الصمت في المرحلة الراهنة فإن هذا الصمت يضمر هدفاً غير معلن ويتمثل في التخلص أو التحرر من الاعتماد على إمدادات الغاز الطبيعي التي تصلهم من طرف أصبح في الوقت الحالي موضع جدال لا ينتهي، هذا الطرف اسمه: روسيا، ويحكمها كادر استخباراتي مخضرم اسمه: فلاديمير بوتين.
