بغير مواربة تنشر الكاتبة الإنجليزية سوزان غولدنبرغ مؤخراً موضوعاً في جريدة الأوبزرفر البريطانية تحت عنوان نراه صادماً بكل المعاني، والعنوان يقول بالحرف مايلي:
- احتياطيات المياه في العالم في طريقها إلى الجفاف. وعلى سبيل التدليل - بكل التفصيل طبعاً - تختار غولدنبرغ اثنين من العناوين الفرعية كي تستهل بهما موضوعها المذكور وعلى النحو التالي:
عنوان يقول: ان تزايد السكان يفضي إلى زيادة الطلب على المياه.
عنوان آخر يقول: هناك واحد من كل سبعة (من سكان العالم) لا يتاح له إمكانية الحصول على إمدادات المياه المأمونة.
جفاف كاليفورنيا
هنالك تشير الكاتبة إلى ما حدث تحديداً في يوم 17 يناير الماضي: يومها نشر علماء وكالة ناسا الفضائية الأميركية أحدث بيانات متحصلة من نشاط الأقمار الاصطناعية التي تدور بغير توقف لتدارس أحوال الكرة الأرضية..
قالت البيانات إن ولاية كاليفورنيا - في غرب أميركا - مهددة بالإصابة بغوائل الجفاف، وبمعنى أن احتياطيات المياه الجوفية في تلك الولاية - ولا ننسى طبعاً أنها موئل صناعة السينما في هوليوود، بقدر ما أنها مركز إبداعات تكنولوجيا الحواسيب الإلكترونية في وادي السليكون - سوف تشهد نضوباً له طابع ملحمي بمعنى غير مسبوق على مستوى الزمان وشاسع الأرجاء والمسافات على مستوى المكان.
بعدها مباشرة أعلن حاكم الولاية جيري براون حالة طوارئ للجفاف وناشد السكان أن يخفّضوا كميات المياه التي يستعملونها بنسبة 20 في المئة.
مياه الزراعة
ومن كاليفورنيا إلى محيط الكرة الأرضية على اتساعها تحذّر مقالة الأوبزرفر من مغبة التناقص المطرد والمخيف في كميات المياه المتاحة لاستخدامات سكان العالم بشكل عام: ان المعروض المائي يقل مع زيادة الطلب على المياه أولاً لأغراض الزراعة.
حيث لا يزال كثير من مزارعي عالمنا - وخاصة في البلدان النامية (بنغلاديش وشمال الهند نموذجاً) يتبعون في زراعة محاصيلهم أساليب الغمر بمعنى إغراق أرض الحقول بكميات من المياه ما أنزل الله بها من سلطان، هذا بالإضافة إلى هدر استخدام المياه من خلال ضخ كميات غزيرة منها في الآبار كأسلوب لاستخراج البترول والغاز الطبيعي..
فما بالنا بما تنطوي عليه ظاهرة تغيُّر المناخ مع ما يرتبط بها من ارتفاع درجة حرارة الأرض التي تصاب - كما يوضح اختصاصيو البيئة - بآفة التساخن أو الاحتباس الحراري، وهو ما يفضي بدوره إلى انخفاض مناسيب هطول الأمطار وقلة تواتر سقوطها واختلال مواسم تغذيتها لمصادر المياه العذبة من انهار وبحيرات في طول عالمنا وعرضه على السواء.
البحر الميت
وفي معرض التحديد.. تمضي كاتبة الأوبزرفر فتوضح أنه ابتداء من عام 2003 ظلت أجزاء من تركيا وسوريا والعراق وإيران تفقد كميات وافرة للأسف من المياه (على طول نهري دجلة والفرات)، وقد وصلت بالتحديد إلى 144 كيلومتراً مكعباً من المياه العذبة المخزونة في باطن الأرض، وهو ما يوازي - كما تحسبها الأوبزرفر - حجم المياه في البحر الميت.
وعندما واجه المزارعون آفة الجفاف - خفوا بدورهم إلى ضخ المياه الجوفية من باطن أراضيهم وبكميات مبالَغ بها وهو ما أدّى إلى تفاقم المشكلة بطبيعة الحال.
جنوب آسيا
وعندما تتحول مقالة الأوبزرفر إلى جنوب آسيا.. فإنما لتوضح أن المسألة ظلت أخطر بكثير على مدار سنوات العقد الماضي.. لماذا؟
لأن هذه الأصقاع الآسيوية يعيش فيها 600 مليون نسمة وعلى صعيد منطقة قوامها ألفا كيلومتر تمتد من شرقي باكستان ثم عبر السهول الجافة الساخنة إلى شمالي الهند ثم بنغلاديش وهي أكثر الأراضي ريّاً في العالم، كما تصفها كاتبة هذا المبحث، وفيها يعتمد أكثر من 75 في المئة من المزارعين على ضخ المياه الجوفية من أجل سقي محاصيلهم وهو ما يؤدي بداهة إلى مضاعفة استخدام المياه وتناقص المخزون منها.
مرة أخرى تدل بيانات الأقمار الاصطناعية على ضياع 54 كيلومتراً مكعباً من المياه الجوفية في كل عام وتلك كمية رهيبة الفداحة بأي مقياس.
لا عجب أن الكاتبة الإنجليزية سوزان غودنبرغ تختم مقالتها بعبارات تعكس مدى المفارقة المنذرة بالخطر إذ تقول: إن المزارعين الهنود لا يستخرجون بالضخّ مياهاً، بقدر ما أنهم يضخون أزمة لا تلبث أن تنشب أظفارها في يوم من الأيام.
