المدينة التي نقصدها اسمها "توليدو". وهو الاسم الذي اصطنعه المؤرخون الغربيون للمدينة الزاهرة التي سبق وأن حملت اسم "طليطلة" وكانت من أروع حواضر الأندلس الإسلامية، ولا تزال تزدان بقصورها ومتاحفها التي تشهد بآثار الحضارة التي شادها العرب- المسلمون في ربوع "شبه جزيرة أيبريا" مابين الشمال إلى الجنوب.

على عادتهم لم يتورع المستوطنون الأوائل في "الولايات المتحدة الأمريكية" عن اقتباس أسماء مدن العالم السابق على دولتهم ليطلقوها على حواضرهم المستجدة. هكذا تقرأ في قائمة الحواضر الأمريكاني المعاصرة أسماء مدن مثل القاهرة. الإسكندرية. يينا وغيرها، فضلاً عن "طليطلة" أو "توليدو" التي تقع في ولاية "أوهايو" من منطقة البحيرات الكبري بالولايات المتحدة، وهي بدورها المدينة الأمريكية التي إشتهرت منذ القرن التاسع عشر بلقب طالما كان سكانها يعتزون به وهو: مدينة الزجاج.

بمعنى أكبر مركز في "أمريكا" لتصنيع وإنتاج الزجاج. وفي ضوء هذه السمعة. ذاعت أيضاً شهرة متحف الفن في "توليدو" التي قرر مسئولوها توسيعه بإضافة مبان جديدة إلى هياكله الأصلية. وهنا تجلت المشكلة: لم تعد "توليدو" مركزاً لصناعة الزجاج. تجلى التحدي أمامها في الفترة القريبة الماضية. إذ كان المتحف بحاجة إلى كميات بالغة الفخامة من المنتوجات الزجاجية الفائقة الإتقان بأقصى قدر ممكن من السرعة من ناحية وبأسعار معقولة تطيقها الميزانية "التوليدية" في وقت الأزمة الاقتصادية من ناحية أخرى.

هنالك اختار مسئولو "توليدو" سبيلاً غير مسبوق لحل المشكلة.

هكذا كتب مؤخراً الصحفي الأمريكي "تيموثي ويليامز" قائلاً أن "توليدو" أنارت دهشة عارمة في الأوساط الأمريكية حين عمدت إلى تلبية احتياجاتها الزجاجية من الصــين. كان ذلك من 7 سنوات فقط. ومن وقتها أمدتها الصين بما يصل إلى 360 من الألواح الزجاجية الثمينة وبلغ وزن كل منها 1300 رطل فكان أن أنجزوا توسعات المتحف المذكور.

وبعدها واصلت الصين تعاونها مع "توليدو" ويقول الكاتب "ويليامز" حلت الصين محل الولايات المتحدة بوصفها أكبر منتج للزجاج في العالم. كان طبيعياً بعد ذلك أن تتدفق الاستثمارات الصينية إلى "توليدو" وأن تتسع آفاق التعاون بين الطرفين: المدينة الأمريكية ذات الاسم التاريخي المستمد من تراث إسلامي وبين التنيّن الآسيوي الصاعد بخطي ثابتة على طريق الصدارة في دنيا الاقتصاد والإنتاج.

آلاف العمال والفنيين والمهندسين المهرة تدفقوا من الصين على "توليدو" لوضع التكنولوجيا الصينية في خدمة تطوير صناعات الزجاج. مئات من رجال الأعمال الأمريكان أصبحوا موضع ترحيب لدي زيارة الصين. وفي المقابل تعددت زيارة عمدة المدينة الأمريكية إلى الصين ومراكزها التجارية ومواقعها التصنيعية.

في هذا السياق أيضاً يعمد الكاتب "تيموثي ويليامز" إلى توسيع أبعاد المنظور الذي يطل منه على ظاهرة التعاون المثمر والمصالح المتبادلة بين مدينة في أمريكا وبلد صاعد وثّاب في مضمار التقدم العالمي، يقول إن "توليدو" ليست المدينة الأمريكية الواحدة من حيث تنامي وإزدهار التعاون مع "الصين":

يوضح أيضاً أن الشركات الصينية وظّفت مبلغ 1202 مليار دولار من الإستثمارات في "أمريكا" خلال الأشهر التسعة الأولي من عام 2013، بعد أن شهد عام 2012 إستثمارات صينية في "أمريكا" في حدود 701 مليار دولار..