سنتان فقط ليس إلا، نعمت فيها دولة "جنوب السودان" بشعار الاستقلال. وأدرجوا اسمها ضمن قائمة الدول الأعضاء بالأمم المتحدة. وبدأت "جوبا" عاصمة الدولة المستجدة تشهد السفارات والمفوضيات وتستقبل مبعوثي الدول من معظم أنحاء العالم. ما بين سفراء إلى مستشارين.

سد النهضة

هذا فضلاً عن مشاركة فعالة من جانب "جوبا" ومندوبيها في محادثات الدول المشاطِئة، بمعنى المشارِكة، في حوض "نهر النيل" ومنها على وجه الخصوص كل من "مصر" (القاهرة) و"السودان" (الخرطوم) التي يؤرقها بحكم الملابسات الراهنة مشروع "سد النهضة" إياه، الذي تعمل "أثيوبيا" على تشييده على مجري "النيل الأزرق" ..

وهو الرافد الرئيسي للنهر الكبير. حيث ينبع "الأزرق" من بحيرة "تانا" في أعالي الحبشة ويتخذ مجراه في انحدار بركاني صاعق إلى أن يزود "مصر" بالذات بما يزيد على 80 في المائة من إجمالي حصتها من "نهر النيل".

المستقبل الخطر

من هنا أمكن القول بأن دولة "جنوب السودان" مازال عمرها سنتين فقط من روزنامة الزمان الراهن. وهذه الحقيقة بحد ذاتها هي التي تضع أكثر من خطّ يدعو إلى التأمل السياسي إزاء ما عبرت عنه مؤخراً إفتتاحية "النيويورك تايمز" (عدد 26 ديسمبر) من مخاوف تعكس في سطورها تشككها إزاء ما ينتظر الدولة الأفريقية الوليدة في الفترة القادمة. وقد اختارت الصحيفة الأمريكية لسطور إفتتاحيتها العنوان التالي: المستقبل المحفوف بالخطر الذي ينتظر جنوب السودان.

مجلس الأمن

وتحت العنوان مضت السطور لتعض لمحنة أكثر من 50 ألف من مواطني الجنوب وقد دفعهم سوء الأحوال وشعور الخطر من جراء نشوب النزاعات الصراعات الأهلية إلى التماس أي سبيل للحماية، أو بالأدق للنجاة لدى قواعد ومراكز "الأمم المتحدة" في المنطقة ..

وهو ما دفع "مجلس الأمن الدولي" للمبادرة إلى عقد اجتماع في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر ليقرر فيه مضاعفة قوة حفظ السلام التابعة للمنظومة الدولية إلى 12500 فرد مع المبادرة إلى تجهيز وابتعاث هذا المدد بأسرع ما يمكن إلى القطر الأفريقي الجريح.

صراع دموي

يزيد من وطأة هذه الجراحات ما أعلنه مؤخراً مسئول بعثة "الأمم المتحدة" في "جنوب السودان" بأن الصراع الدموي المندلع حالياً أدى إلى سقوط أكثر من ألف قتيل فضلاً عن آلاف الجرحى والمنكوبين من المشردين رغم أن أمد القتال في المنطقة لم يكن قد استمر لأكثر من 11 يوماً. وثمة مصادر عديدة مابرحت تتوقع في غضون أمد وشيك أن تزداد وطأة الصراع الداخلي اشتعالا وخاصة في منطقة "ملكال" التي تتميز كما هو معروف بكونها موقعاً "بترولياً" ..

ومن ثم محوراً إستراتيجياً بالغ الحساسية في مثل هذه الصراعات الأهلية، التي يشهدها بلد مازال يدرج. حتى لا نقول يحبو، على جادة الاستقلال ولم يكد ينجز خطواته الأولي على طريق تشييد وتوطيد دعائم دولة تتولي إدارة شئون مواطنيه بكل ما يعنيه ذلك من مطالبات وضرورات وتحديات.

دور واشنطن

في نفس السياق، تشير افتتاحية "التايمز" إلى ما تصفه بأنه "المسئولية الخاصة" التي تضطلع بها "الولايات المتحدة" إزاء التماس حل سياسي للموقف في "جنوب السودان". وتحيل في الوقت نفسه إلى ما تسميه بأنه الدور الرئيسي لواشنطن في "ولادة دولة مستقلة في تلك الربوع"..

وهو ما دفع السيدة "سوزان رايس" مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض إلى تصريح أدلت به مؤخراً محفوفاً بقدر لا يخفي من التهديد المنّمق بالطبع ومفاده أنه لو أصر الطرفان المتصارعان في "جوبا" وهما رئيس البلاد ونائبه السابق على استخدام القوة واختيار سبيل العنف الجماعي. "فلن يكون من خيار آخر أمام أمريكا سوى أن تسحب مؤزارتها القوية التي درجت على تقديمها.." نلاحظ أيضاً أن السيدة "رايس" تضمها روابط خاصة مع أفريقيا سواء من حيث التخصص الأكاديمي وأيضاً من حيث لون البشرة وجذور الإنتماء.

العقوبات ونتائجها

في هذا كله مابرحت أوساط الساسة والمراقبين تتعامل باهتمام بالغ مع إجتماعات الأطراف الأفارقة التي إلتآم عقدها مؤخراً في "جوبا"، على مستوى مسئولٍ ورفيع لبحث أبعاد هذه الصراعات وتدارس دلالاتها والنتائج الخطيرة الناجمة عنها، فيما انطوت هذه الإجتماعات وأشارت نتائجها إلى التلويح بفرض عقوبات يظل من السهل التهديد بها وتقنين جزاءاتها، لكن لن يكون من الميسور إطلاقاً.. التنبؤ بما قد تفضي إلىه هذه الجزاءات من مزيد من المعاناة، التي لن تقاسي ويلاتها سوي جموع البسطاء والفقراء داخل أكواخ التعاسة وبين أحراش الأدغال في نهاية المطاف.