في الرابع من ديسمبر 2013.. صدر قرار نراه من منظورنا العروبي بالغ الأهمية برغم أن القرار المذكور جاء بعيداً عن وهج الفلاشات ولمعة الأضواء.. القرار صدر عن هيئة أمريكية موقرة تحمل الاسم التالي: المجلس الوطني للرابطة الأمريكية للبحوث والدراسات.
أما القرار نفسه فيستمد أهميته من أنه صدر ليقضي بقطع العلاقات بين الهيئة الأمريكية المذكورة وبين المؤسسات الأكاديمية والثقافية في "إسرائيل".
معاملة الفلسطينيين
وفي هذا الشأن يذهب الكاتب "ريتشارد بيريز بنيا" إلى أن طرح مثل هذه التوجهات إنما يشير إلى أن ثمة حملة متنامية بين أوساط الأساتذة الجامعيين والأكاديميين الأمريكان تتجه نحو عزل "إسرائيل" تعبيراً عن الاحتجاج إزاء معاملة إسرائيل للفلسطينيين (نيويورك تايمز، عدد 15/12/2013).
في نفس السياق يشار إلى أن هذه التوجهات السلبية من جانب مثل هذه النخبة من مثقفي أمريكا ومفكريها يمكن أن تنطوي أيضاً على قرار يُصار إلى اتخاذه مع مطلع عام 2014 المقبل ويتم في منطوقه توجيه الانتقاد إلى اسلوب تعامل "إسرائيل" مع الأكاديميين من حيث وضع القيود على حرية زيارتهم إلى الجامعات الفلسطينية الواقعة في الأرض المحتلة.
فرض عقوبات
والحاصل أن هذا الاتجاه المتزايد نحو مقاطعة أكاديمية ضد المحتل الصهيوني إنما يأتي- كما يوضح أيضاً "ريتشارد بيريز بنْيا"- باعتباره إستطراداً لحملة مقاطعة أوسع نطاقاً تشير إلىها في "الولايات المتحدة" الحروف الإنجليزية (B.D.S) وتدعو إلى اتخاذ إجراءات شتى تشمل تدابير المقاطعة وعدم توظيف الاستثمارات وفرض عقوبات (ضد إسرائيل) بحيث يتم ذلك على غرار ما سبق وشهده العالم في عقد الثمانينات من القرن العشرين بالنسبة لنظام "الفصل العنصري" الذي سبقت إلى إقامته حكومات المستوطنين البيض في "جنوب أفريقيا".
نيلسون مانديلا
وبديهي أن مثل هذه الإجراءات التي شملت، كما ألمحنا- تدابير المقاطعة وخاصة من جانب قوى أكاديمية وتتمتع بالاحترام الموضوعي في بلادها- كان لها ثمارها الإيجابية بكل معنى في حشد الإدانة العالمية ضد نظام "الأبارثيد" الفصل العنصري المذكور أعلاه.
فضلاً عن دعم ومؤازرة النضال الوطني الذي كان يقوده وقتها حزب المؤتمر الأفريقي وحلفاؤه من قيادات السود وهو ما أوصل نضالهم الوطني إلى مرافئ النجاح الذي تكلّل كما هو معروف بالإفراج عن زعيمهم التاريخي "مانديلا" ومن ثم تسلّمه قيادة النظام الوطني الجديد في "بريتوريا" بعد سقوط نظام "الأبارثيد" مع مطلع التسعينات.
ملاحقة شومسكي
أما في السياق الأمريكي الراهن فهناك من لا يزال يستعيد سوء المعاملة الذي لقيه خلال فترة قريبة مضت المفكر المستنير البروفيسور "نعوم شومسكي" لدى اعتزامه زيارة الأرض المحتلة..
حيث حالت السلطات الصهيونية بينه وبين إتمام مثل هذه الزيارة، في إشارة لم يخطئها أحد إلى أنها صدرت لعقاب هذا المفكر المتحرر، اليهودي الديانة، على مواقفه السياسية الموضوعية التي يتخذها إزاء قضية الشعب العربي الفلسطيني وآفة الاحتلال الصهيوني لأراضيه، فضلاً عن ممارسات الاستيطان الاستعماري العنصري في تلك الأراضي. وهو ما يخالف بداهة كل ما صدر عن منظومة "الأمم المتحدة" من قرارات مازالت تصف "إسرائيل" بأنها الدولة القائمة بالاحتلال.
مسؤولية أميركا
في نفس السياق يصرّح البروفيسور "كيرتس ماريز" أستاذ الدراسات الإثنية المساعد بجامعة "كاليفورنيا"، وهو رئيس رابطة الدراسات الأمريكية التي أسلفنا الإشارة إلىها في مستهل هذه السطور، بأن "أمريكا" تتحمل مسئولية خاصة بالنسبة لإعلان هذه المقاطعة (ضد إسرائيل) وباعتبار أن "أمريكا" هي أكبر من يزّود "إسرائيل" بالمعونات العسكرية.
صحيح يضيف الأكاديمي الأمريكي- "أن من المسلّم به أن المنطقة شهدت في الماضي والحاضر عدداً من الحكومات التي مارست الطغيان في بلدان بالمنطقة، إلا أن جماعات المجتمع المدني في تلك البلدان لم تطلب من رابطتنا مقاطعة الدوائر العلمية في "إسرائيل" لكن الذي طلب إلينا هذه المقاطعة هو جمعيات وروابط فلسطينية".
حركة بريطانية
والحق أن مثل هذه المقاطعة من جانب الأكاديميات الأمريكية إنما تستند إلى خلفية أقدم في هذا المضمار. ففي عام 2002 نشأت، في "بريطانيا" هذه المرة، حركة تدعو لمقاطعة المؤسسات والدوائر الأكاديمية في "إسرائيل".. وربما بلغت هذه الحركة ذروة درامية لها في شهر مايو حين انسحب الفيزيائي البريطاني الأشهر "ستيفن هوكنغ" من مؤتمر كان معقوداً في "إسرائيل" دعماً من جانبه لهذه المقاطعة.
