الشر ليس له حدود .. ولم تعد الجريمة تقتصر على سرقة الأموال أو استباحة المتاع ولا حتى رفع السلاح لإزهاق الأرواح.
تعدّت الجريمة في زماننا الراهن إلى «طعام البلاد وأقوات العباد». هكذا تكتب مجلة الإيكونومست البريطانية في أحد أعدادها موضوعاً تحت العنوان التالي: جريمة الأغذية أو الجريمة الغذائية. وعلى طريقة السخرية الصحافية التي تتبعها المجلة المذكورة تصف الموضوع الذي نعالجه بأنه الجريمة والغذاء على وزن رواية المبدع الروسي الأشهر ديستوفسكي بعنوان الجريمة والعقاب.
أصل الحكاية هو أن عصابات الجريمة المنظمة بدت في الآونة الأخيرة وكأنها افتتحت فرعاً مستجداً للتعامل في الأغذية المغشوشة. وفيما كان لصوص الزمن القديم يرسلون إلى خصومهم كميات من الأسماك التي يتناولها الخصوم وبعدها يغطّون في نوم عميق، إذا بلصوص العصابات الحالية يرسلون إلى الأسواق كل أصناف الطعام والشراب المغشوش وإذا بهم يجنون أرباحاً طائلة بصرف النظر عمّا تسببه هذه الأصناف من خطورة الأذى الذي يلحق الناس في كل مكان.
في هذا المضمار تلمح الإيكونومست أيضاً إلى ما عمدت إليه مافيا الغذاء من طرح كميات هائلة من لحوم الخيول في العام الماضي على أنها لحوم الضأن والبقر ثم تعرض المجلة كذلك إلى ما ثبت من طرح 22 طناً من الأرز الرديء المقصود بيعها في الأسواق على أنها من أفضل أصناف الأرز البسمتي الفائق الاحترام، لولا أن صادرتها سلطات الشرطة الدولية (الإنتربول) في تعاون مع الشرطة الأوروبية (اليوروبول). وفي مقاطعة ايسكس البريطانية صادرت السلطات المختصة بالكشف عن الأغذية شحنات احتوت على 2500 وعاء ضخم تحتوي على أفخر أنواع عسل النحل وأغلاها سعراً.
وطبعاً اتضح أن محتوياتها لم تكن لتتصل من قريب أو بعيد بالعسل الذي فيه شفاء للناس، ولكن كانت تضم سيلاً رخيصاً من العصير السكري فقط لا غير. وقل الشيء نفسه - كما تضيف أو فلنقل كما تحذّر - الإيكونومست (عدد 21 مارس) عن أصناف السمك التي يصعب ضبطها وتحديد نوعياتها وخاصة بعد تجهيزها في المطاعم، فضلاً عن كميات زيت الزيتون المخلوط بأرخص وأردأ أنواع الزيوت الأخرى ولكنها تباع بأسعار مرتفعة.
والمشروبات أيضاً، وبديهي أن أمر الغش والتزييف والتهريب طال كذلك أنواع المشروبات الروحية التي توضح الإيكونومست أنه يجري غشها وتهريبها بواسطة هذه الفضائل المستجدة من مافيا الأغذية عبر أقطار الاتحاد الأوروبي خاصة وأن أمر المشروبات المضروبة كما نصفها لا يقتصر على تزييفها صنفاً وسعراً. ولكن منها ما يؤدّي إلى إصابات جسيمة بل وإلى خطر التسمم والهلاك في بعض الأحيان.
لكن الأهم بالنسبة لمجرمي هذه المافيا هو أن العقوبات على مثل هذه الجرائم ما زالت من أخفّ ما يكون طبعاً بالمقارنة مع تهريب الأسلحة أو تهريب المخدرات. وعلى سبيل المقارنة - يوضح ستيوارت شونون - خبير التغذية في أوروبا - أن الاعتداء على الملكية الفكرية بمعنى سرقة محتويات كتاب أو أغنية مسجلة على شريط إلكتروني تصل عقوبته إلى 10 سنوات في حين أن جريمة تهريب الأغذية المغشوشة والاتجار فيها بكل ما ينجم عن ذلك من أضرار ومهالك لا تعدو عقوبته - في حال كشفها وتطبيقها ستة أشهر فقط لا غير.