كان بديهياً أن تدلل الصحافة الأميركية على مدى تحيّزها لصالح المعارضة الروسية بقدر حرصها أيضاً على استعراض انحيازها ضد قيادة الكرملين في موسكو وعلى رأسها فلاديمير بوتين بطبيعة الحال.
هكذا حرصت النيويورك تايمز على أن تنشر في عددها الصادر بتاريخ 19 مارس الحالي مقالاً أو فلنقل رسالة بعث بها من العاصمة الروسية المحامي إليكس نافالني بعنوان لافت للنظر يتساءل فيه على النحو التالي: كيف نعاقب بوتين؟
اعتقال منزلي
وكان لافتاً أيضاً أن يستهل المعارض الروسي مقاله موضحاً أنه يكتب كلماته بينما هو خاضع لإجراءات الاحتجاز - بمعنى الاعتقال - المنزلي في العاصمة الروسية. ومفسراً بأنه خضع لهذه الإجراءات فيما كان يشارك في تظاهرة مؤيدة لمعارضي بوتين ومضيفاً في مقاله أنه سبق له أن رشح نفسه في سبتمبر الماضي لمنصب رئيس البلدية - عمدة موسكو من منطلق المعارضة المؤيدة للديمقراطية وكان أن حظي بثلث أصوات الناخبين رغم أنه حيل بينه وبين وسائل الإعلام التابعة للدولة.
وكان بديهياً للكاتب الروسي المعارض أن يوضح أسباب هذه الخصومة مع نظام الكرملين على أساس أنها ترجع إلى قسوة نظام بوتين مع المطالبة بعلاقات ودية مع أوكرانيا وبالامتثال لقواعد القانون الدولي.
مشاكل الاقتصاد
لكن الإمعان في قراءة مقال المعارض الروسي المنشور، كما ألمحنا - في أهم جريدة أميركية، كفيل بأن يطلع القارئ على أن أسباب خصومته مع الكرملين لا تعود إلى مكانة أوكرانيا وملابساتها الأخيرة بقدر ما تعود إلى أن نافالني يؤكد أن اقتصاد روسيا الراهن في حالة ركود وأن شعبها سوف يعبر قريباً عن سخطه ورفضه لما يصفه المعارض المذكور بأنه وعود بوتين الفارغة ومن ثم يتوقع الكاتب الروسي أن يصعد نجم بوتين بصورة مؤقتة ولكنه لن يلبث أن يؤول إلى هبوط شعبيته إن لم يكن إلى انحدار.
محاسيب الكريملن
من هنا لا يتورّع المعارض الروسي عن نصح الغرب ليس بمجرد فرض عقوبات على المسؤولين الروس، بل بالمبادرة إلى تجميد أرصدة هؤلاء المسؤولين الذين يطلق عليهم وصف «محاسيب» الكرملين في إشارة شائعة إلى ما أصبح يوصف في الأدبيات السياسية الدولية بأنه اقتصاد المحاسيب Crony Economy وهو اقتصاد توزيع المغانم على القلة المقرّبة إلى مراجع السلطة العليا على مستوى بلدان العالم الذي نعيش فيه.
في هذا السياق يزيدنا المعارض الروسي من هذا الشعر بيتاً كما يقول تعبير البلاغة العربية المتواتر، فإذا به يعرض بالأسماء والمواقع الوظيفية لتفاصيل مَن يصفهم بأنهم الدائرة المقربة من الرئيس بوتين. وتضم المجموعة عدداً من كبار المصرفيين ورجال الأعمال ورئيس سكك حديد روسيا ورؤساء الشركات العملاقة والمؤسسات الكبرى وعلى رأسها مؤسسة غاز بروم النفطية.
معارض ومتهم
الجدير بالذكر أن المعارض الروسي أليكسي نافالني مسجل في قائمة المتهمين أمام القضاء الروسي في قضايا فساد واختلاسات من قبل أن يظهر نجمه على الساحة كمعارض سياسي، وحكم على نافالني سابقاً بالحبس خمس سنوات مع وقف التنفيذ لاتهامه بسرقة 13 مليون روبل روسي (270 ألف دولار) من إحدى الشركات عام 2009..
وكان ذلك أثناء حكم الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، ولم يظهر نافالني كمعارض سياسي إلا بعد فوز بوتين في انتخابات الرئاسة عام 2012 ، ونفى نافالني التهم الموجهة إليه ووصفها بأنها سخيفة وتحركها دوافع سياسية، ورغم وجود قيود قضائية عليه إلا أنه سمح له بخوض انتخابات بلدية موسكو، والتي فشل فيها فشلاً ذريعاً.
تنبيه للغرب
وإذا كان طبيعياً أن تصدر مثل هذه الأحكام السياسية المتحاملة عن سياسي معارض ومعرّض أيضاً للاحتجاز المنزلي .. فإن اللافت للاهتمام أيضاً أن المُعارض المذكور لا يتردد في ختام مقالته في تنبيه الغرب إلى أن يقلع عن ثقته في أن وجود بوتين على رأس السلطة في موسكو هو أمر كفيل بأن لا تقع روسيا في براثن قوى ظلامية ومغتصبة.. وهنا تصل كلمات المعارض الروسي إلى القول بأنه قد آن الأوان إلى أن يتخلّى الغرب عن هذا الوهم الخطير، كما يسميه وهو الذي أدّى إلى تمكين بوتين من السيطرة على مقاليد الأمور.
